مرات اخويا

“شهيرة بتقول إن الزجاجة دي كانت في حاجتك إنتي. وعلى كلامها، إنتي اللي كنتي شايلاها معاكي، وهي بتدعي إنها حاولت تخبيها بس عشان خايفة إهمالك ده يوديكي في داهية وتتقبضي.”
لقعدت كام ثانية مش عارفة أستوعب اللي بيقوله.
شهيرة كانت هتقتل ابني…
ودلوقتي بتحاول تقنع الشرطة إني أنا اللي جانية ورامية التهمة عليا.
الجزء الثاني: بنت أخويا عندها 8 سنين حكت للشرطة على السر اللي أمها كانت مخبياه
​لقعدة كام ثانية باصة للظابط هشام ومش قادرة أستوعب اللي لسه قايلهولي. علبة الدوا اللي جابوها من الحديقة مكتوب عليها اسم “مريم”، مع إن دكتور الأطفال بتاعها أكد للشرطة إنه بعمره ما كتب لها الدوا ده ولا يعرف عنه حاجة!
​”أومال مين اللي كتب الرشتة دي؟!” سألته بصدمة.
​الظابط هشام رد: “احنا بنتتبعها دلوقتي، بس لحد ما نفهم شهيرة جابت الدوا ده باسم مريم ليه، لازم نحط في الاعتبار احتمال إن عمر مكنش أول طفل يتسقى من الدوا ده.”
​بصيت من إزاز أوضة التحقيق ولقيت بنت أخويا قاعدة جنب أخصائية اجتماعية من المستشفى. رجلين مريم مكنتش طايلة الأرض، وكانت عمالة تحرك صباعها بكسرة على شاشة ساعتها الذكية اللي أنقذت بيها ابني.
​الاحتمال ده جاب لي غثيان ورعب. أنا فضلت شهور أسمع شهيرة وهي بتشتكي إن عمر شقي ومبتعرفش تلموا، بس فجأة افتكرت هي كانت قد إيه بتتباهى إن مريم هادية ومُطيعة ومريحة جداً!
​مريم عمرها ما كانت بتقاطع الكبار وهي بتتكلم. نادراً لما كانت بتشتكي، عمرها ما طلبت أكل زيادت في أي عزومة عائلية، وكذا مرة كانت بتنام في وسط القعدة العصرية عادي جداً وشهيرة تضحك وتقول: “بنتي ما شاء الله بتنام في أي حته!”
​أنا كنت فاكرة إن الهدوء ده طبيعة وثبات انفعالي في البنت…
دلوقتي بقيت بسأل نفسي: هل ده كان طبيعي فعلاً؟!
​الظابط هشام طلب مني مأسألش مريم أي حاجة بنفسي. كان فيه خبيرة نفسية للأطفال جاية المستشفى، وهما عايزين مريم تحكي اللي حصل من غير ما حد من الكبار يأثر على ذاكرتها أو يلقنها كلام.
​شهيرة طبعاً اعترضت بعصبية أول ما عرفت موضوع المقابلة ده. أصرت إن مريم تعبانة ومجهدة، واتهمت الشرطة إنهم بيرعبوا بنتها الصغيرة على موضوع هي مكملة تسميته “مجرد سوء فهم”.
​”دي طفلة عندها تمان سنين!” شهيرة زعقت فيهم: “مينفعش تحققوا معاها كده!”
​الأخصائية الاجتماعية ردت بتهدئة وود: “محدش بيحقق مع مريم يا فندم. احنا بس بنوفر لها مكان آمن تتكلم فيه.”
​شهيرة بصت لي بشر وغيط: “كل ده بسبب سارة.. طول عمرها بتكرهني وعايزة تخرب بيتي!”
​كنت هرد عليها وأمسح بيها الأرض، بس الظابط هشام هز راسه لي بالراحة عشان أسكت.
ففضلت ساكتة.
طول السنين اللي فاتت، شهيرة كانت بتسيطر على كل خناقة بأنها تبدأ بالصوت العالي والاتهامات الأول. بس المرة دي، صوتها العالي مش هيعرف يعاند قدام الأدلة.
​الخبيرة النفسية قابلت مريم في أوضة تانية لوحدهم مع المتخصصين. أنا فضلت جنمب عمر، اللي كان لسه مغمي عليه بس نفسه بدأ يظبط ويبقى أهدى مع انسحاب الدوا بالراحة من جسمه.
​مسكت إيده وفضلت باصة لشاشة الأجهزة اللي جنبه. كل كام دقيقة، كنت بفتكر إنه لسه عايش وبينبض بس عشان طفلة عندها تمان سنين عصت كلام أمها واتصلت بيا.
​بعد حوالي ساعة، الظابط هشام رجع.
وشه كان متأثر ومختلف تماماً.
​”مريم بتقول إن أمها أدتها ‘عصير المنوم’ ده قبل كده كذا مرة.”
​غمضت عيني بوجع: “كم مرة؟”
​”مقدرتش تدينا رقم معين، واحنا مش هنضغط عليها عشان تخمن. بس هي فاكرة إن ده كان بيحصل لما شهيرة تقول لها إنتي عاملة دوشة، أو لما يكون فيه ضيوف كبار يزوروهوم، وكذا مرة قبل السفر بالعرية لمسافات طويلة.”
​معدتي اتقلبت.
“وهل مريم كانت تعرف إنه دوا؟”
​”لا.. مش في الأول.”
​شرح لي إن مريم فاكرة إن شهيرة كانت بتطحن حاجة جوه العصير أو بتقلب سائل من أزايز صغيرة في المشروبات السكرية. شهيرة كانت بتقول لها إن ده “شربات فيتامينات” بيساعد الأطفال يهدوا ويناموا.
​أول مرة مريم سألت واستغربت، شهيرة قالت لها إن البنت الشاطرة بتسمع كلام أمها وبتثق فيها. وبعد كده، لما مريم بدأت تشتكي إن العصير ده بيخليها تدوخ ومش قادرة تقف، شهيرة حذرتها وقالت لها: “بلاش تفضحينا قدام الناس وتقولي على أسرار بيتنا!”
​الجملة دي كانت أليمة ومالوفة جداً لوداني.
أسرار البيت بتفضل جوه البيت.
شهيرة استخدمت الجملة دي ياما في أعياد الميلاد والعزومات والخناقات لسنين.
​بعدها الظابط هشام قال لي حاجة خلت النمط واضح ومرعب أكتر. مريم فاكرة إنها صحيت على الكنبة كذا مرة وهي مش عارفة هي وصلت هناك إزاي ولا نامت إمتى.
​”هي كانت فاكرة إن كل الأطفال بيحصل معاهم كده عادي،” قالها بأسى.
​بصيت لابني اللي نايم على السرير.
“وهي شافت شهيرة وهي بتحط نفس الحاجة لعمر؟”
​”أيوه.”
​وده فسر ليه مريم اترعبت قبل ما عمر يروح في دنيا تانية خالص. هي عرفت اللي أمها حطته في العصير لأنها متعودة على اللي بيحصل بعدها.
الفرق الوحيد إن عمر أخد جرعة أكبر بكتير…
وجسمه تفاعل معاها بطريقة مرعبة وكانت هتنهي حياته.
​تحقيقات الصيدلية طلعت دليل جديد في نفس اليوم بعد الظهر. الرشتة كانت طالعة عن طريق خدمة طبية أونلاين باستخدام اسم مريم، تاريخ ميلادها، وبيانات التأمين الصحي بتاعها.
​الدكتور اللي كتب الوصفة قال للمحققين إن الطلب جايلهم بيدعي إن مريم بتعاني من مشاكل ونوبات أرق شديدة جداً. شهيرة كملت الكشف الأونلاين من غير ما مريم تظهر أصلًا قدام الكاميرا!
​والجرعة المكتوبة في العلبة كانت مخصصة لشخص بالغ!
​الظابط هشام متكلمش ولا خمن السبب.. هو مكنش محتاج يخمن اصلاً.
​سجل صرف الدوا أظهر إن شهيرة جابت 3 أزايز على مدار الأربع شهور اللي فاتوا.
والشرطة ملقيتش غير واحدة بس في سلة الحديقة.
​النيابة طلعت إذن بتفتيش بيت شهيرة في نفس الليلة.
لقوا إزازه تانية مستخبية جوه شنطة الميك أب في أوضة نومها، ومعاها قطارة بلاستيك وكام كيس أظرف عصاير بودرة طعمها مسكر. الإزازه التانية برضه كانت مكتوبة باسم مريم.
​والأهم من ده كله، الضباط لقوا أجندة صغيرة في درج المطبخ.
ما كانتش أجندة مجرم محترف ولا شفرات سرية.. كانت أجندة عادية جداً لملاحظات البيت، فيها طلبات السوبرماركت، مواعيد الدكتور، طلبات المدرسة، وملاحظات صغيرة عن مريم.
​فيه صفحات كتير كان مكتوب فيها بس التاريخ وجملة قصيرة:
​مريم – نص جرعة قبل العشاء.
​👉 عايزة الجزء الثالث والأخير؟ قوليلي وأكملك باقي القصة على طول!
“طريق طويل – جرعة كاملة.”
​”فيه ضيوف الجايين النهارده – خليها هادية وملمومة.”
​الظابط هشام وراني صور الصفحات دي بدل الأجندة الأصلية.
​إيديا بدأت ترتعش بانهيار وذهول.
شهيرة كانت بتكتب وتوثق كل ده لأنها أصلاً مكنتش شايفه إنها بتعمل أي حاجة غلط!
بالنسبة لها، الدوا المنوم ده بقى مجرد أداة تربية سريعة.
حاجة بتستخدمها لما الطفل يضايقها أو يعمل دوشة.
​فريق تحاليل السموم في المستشفى أخد عينة دم من مريم بموافقة نياية النجدة وحماية الطفل. النتايج أظهرت آثار دوا بياكد أنها هي كمان أخدت نفس المادة اللي اتسببت في حالة عمر قريب جداً.
مع إن مريم مكنش مكتوب لها أي دوا بشكل رسمي بالأساس!
​في نفس الليلة، هيئة حماية الطفل أخدت قرار عاجل بوضع مريم تحت الرعاية الإيجارية الطارئة.
شهيرة اتجننت وجات لها حالة هياج أول ما عرفت إنها مش هتاخد مريم معاها البيت.
​”دي بنتي أنا!” زعقت بعنف.
​الظابط هشام وقف بجموده بينها وبين الممر المؤدي لأوض الأطفال.
“وعشان كده بالذات احنا بنحقق معاكي.”
​شهيرة شاورت عليا بغل:
“إنتي اللي عملتي كده! إنتي السبب!”
​رديت عليها لأول مرة وأنا باصة في عينها:
“لا يا شهيرة.. مريم هي اللي اتصلت بيا عشان عمر مكنش راضي يصحى.”
​”إنتي قوّيتي بنتي عليا وخلتيها تكرهني!”
​”البنت كانت مرعوبة وشايفاه بيموت قدامها!”
​”هو مكنش بيموت!”
​ممرضة كانت معدية وقفت وبصت لها بصدمة.
شهيرة استوعبت المصيبة اللي قالتها، فوراً ووطت صوتها وبصت بعيد:
“قصد يعني.. هو زي الفل ومفيهوش حاجة.”
​بصيت لها ومن خلف الإزاز لمحت ابني نيم ومتحاط بالأجهزة.
“ابني في العناية المركزة يا شهيرة!”
​شهيرة حطت إيدها في وسطها:
“كل ده عشان إنتي مكبرة الموضوع وبتحبي تعملي دراما وتخلي الدكاترة يضخموا القصة!”
​الظابط هشام طلب منها تسيب المستشفى فوراً.
لما رفضت وزعقت، أمن المستشفى جُم وخرجوها بره بالقوة.
​تاني يوم الصبح، عمر فتح عينيه وأخيراً صحي.
كنت قاعدة جنبه لما لقيت صوابعه بتتحرك في إيدي بالراحة.
​”بابا؟ ماما؟”
​قربت منه بسرعة لدرجة إني كنت هقلب الكرسي.
“أنا هنا يا حبيبي.. أنا جنبك.”
​عينيه كانت بالعافية بتركز في الأوضة.
“دماغي تقيلة أوي ومش حاسس بيها.”
​”عارفة يا قلبي.. إنت في المستشفى، بس إنت بقيت كويس وأمان خالص.”
​بص حواليه في الأوضة وقال بضعف:
“هي مريم فين؟”
​السؤال فاجئني ووجع قلبي.
“مريم بخير وفي أمان هي كمان.”
​عمر بلع ريقه بالراحة وقال:
“هي قالت لي متشربش العصير ده.”
​وطيت صوتي وبصيت له بكل حنان:
“فاكر إيه اللي حصل يا عمر؟”
​عقد حواجبه وكأنه بيحاول يفتكر حاجة من وسط مهيجة مغيمة:
“طنط شهيرة إدتني عصير طماطم أو مانجة مسكر.. مريم قالت لي بلاش تشربه عشان ده بيخلي الواحد ينوم.”
​صدري اتقفل من الوجع.
“وبعدين حصل إيه؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *