مرات اخويا

​”طنط شهيرة أضايقت منها وزعقت لها.. وقالت لها إنتي بتبوظي الهزار والمقلب.”
​مسألتهوش أكتر من كده.
عمر كان محتاج دكاترة وراحة وخبيرة نفسية، مش أم ملهوفة على إجابات تقطع قلبه.
​بعدها، كلامه في التحقيق الرسمي تطابق تماماً مع اللي مريم حكته.
افتكر إن شهيرة كانت بتشتكي إنه شقي ومبيثبتش، فصبت له المشروب وقالت له ده هيخليك “أهدى ومش بتهيط كتير”.
​عمر رفض يشرب في الأول.
شهيرة قالت له ده مجرد تحدي ممتع ومقلب بنلعب بيه، وقالت له إن مريم بتشربه طول الوقت وزي الفل.
​التفصيل ده كان جوهري جداً.
شهيرة استغلت إن بنتها متعودة تشرب المنوم عشان تقنع ابني إن المشروب أمان ومافيهوش حاجة.
​المحققين تفحصوا تفاصيل كاميرات المراقبة في حديقة الأزهر.
الكاميرا مكنتش جيبة صوت، بس التوقيتات كانت واضحة وصريحة:
​الساعة 1:17 الضهر: شهيرة طلعت حاجة من شنطتها.
الساعة 1:19: إدت لعمر الكباية.
الساعة 1:42: عمر بدأ يترطش وماشي ومش متوازن.
الساعة 1:46: وقع ونام على النجيل.
الساعة 1:49: مريم قربت من أمها وكانت بتشاور لهستيريا على عمر. شهيرة مأتحركتش ولا اتصلت بالإسعاف.
الساعة 1:53: مريم رجعت لعمر لوحدها.
الساعة 1:55: مريم شغلت ساعتها الذكية.. وهناك اتصلت بيا.
​شهيرة فضلت باصة على عمر وهو بيضيع ويفقد الوعي لأكتر من 10 دقائق من غير ما تفكر تطلب نجدة أو إسعاف!
لا وكمان حاولت تمنع الطفلة الوحيدة اللي حاولت تنقذه.
​محامي شهيرة غير خطته تماماً أول ما الشرايط دي ظهرت.
شهيرة م بقتش بتقول إنها مجرد “هزار”، وبقت بتقول إنها غلطة جرعة دوا غير مقصودة، وادعت إنها كانت بتدي مريم الدوا بناءً على استشارة دكتور أونلاين، وغلطت وأدت لعمر جرعة زيادة بالخطأ.
​بس الأجندة كذبتها.
وسجل صرف الصيدلية كذبها.
ومريم كذبتها.
​بعدها الشرطة رجعت رسائل ممسوحة من فون شهيرة.
معظمها كان كلام عادي، بس فيه شات مع واحدة صاحبتها من جروب الماميز اتمسح ليلة ما عمر دخل المستشفى.
​قبل يوم الفسحة بتلات أيام، شهيرة كانت كاتبة:
سارة سايبة الواد ده يسوق فيها ومحدش عارف يلموا. بعد كذا ساعة معايا في الفسحة، هعرفه إزاي العيال المحترمة بتهدى وتقعد ساكتة.
​صاحبتها ردت عليها:
تلاقيكي هتربطيه في كرسي ولا إيه؟
​شهيرة ردت:
لا مش للدرجادي.. أنا عارفة إيه اللي بيجيب من الآخر ويهدي.
​الظابط هشام وراني الرسالة دي وعمر نايم.
مبقاش فيه أي مجال لسوء الفهم.
شهيرة أخدت ابني الحديقة وهي ببيتها النية وعارفة إزاي هتهدي طفل شقي…
وكانت مجربة الطريقة دي وعارفاها من مريم!
​جلسة الحضانة الطارئة لمريم اتحددت بعد تلات أيام.
محامي شهيرة حاول يتحجج إن أخذ مريم من أمها هيعمل لها صدمة نفسية مالهاش لازمة، وصور شهيرة على إنها أم مضغوطة عملت غلطة طبية بالخطأ، وأكد إن مريم عمرها ما اشتكت من أذية.
​المسؤولة عن حماية الطفل ردت عليه بجملة واحدة قطعت الكلام:
“مريم مشتكش لأنها مكنتش تعرف إن من حقها تشتكي أو ترفض.”
​الكمة استعرضت سجلات الصيدلية، نتايج السموم، كتابات الأجندة، تفاصيل كاميرات الحديقة، ورسائل فون شهيرة.
مريم مكنتش محتاجة تقعد في القاعة.
تسجيل شهادتها مع الأخصائية النفسية كان كافي جداً.
​القاضي أصدر قرار بنقل حضانة مريم المؤقتة للرعاية الاجتماعية لحد ما يفحصوا أقارب العيلة. وبما إني كنت برعي عمر في فترة تعافيه، الهيئة كانت خايفة إن وجود مريم معايا يمثل عبء عليا وعلى الأطفال.
​بس الخبيرة النفسية نقلت للقاضي السؤال اللي مريم سألتهولها الصبح:
“هو ينفع أقعد في مكان عمر يعرف يلاقيني فيه؟”
​القاعة كلها سكتت.
القاضي وافق فوراً على إني أكون العائل المؤقت لمريم تحت إشراف هيئة حماية الطفل.
​في نفس الليلة، مريم وصلت بيتي وهي شايالة شنطة ظهر بنفسجي.
وقفت على باب الشقة من جوه.
“هو أنا هقعد هنا عشان ماما في مشكلة؟”
​”إنتي هتعدي هنا عشان الكبار يضمنوا إنك في أمان تام.”
​بصت للأرض بكسرة:
“هي ماما زعلانة مني؟”
​”مش عارفة يا مريم.”
​عينيها اتملت دموع:
“أنا قلت لهم الحقيقة بس..”
​”عارفة يا حبيبتي.”
​”طب هي مش بتحبني خلاص؟”
​وطيت وقعدت قصادها على ركبي:
“إنك تقولي الحقيقة ده مبيخليكيش مسؤولة عن أفعال الكبار والغلط اللي عملوه.”
​مسحت خدها، وبعدين سألتني السؤال اللي بين لي حجم الأذى النفسي اللي شهيرة زرعته فيها من زمان قوي قبل يوم الحديقة:
​”هو أنا لازم أشرب حاجة قبل ما أنام؟”
​هزيت رأسي بنفي قاطع:
“لا يا مريم.. خالص.”
​”طب لو معرفتش أنام؟”
​”عادي.. تقرأي كتاب، تتكلمي معايا، تشربي بق مية، أو تفضلي صاحية شوية لحد ما تنامي براحتك.”
​بصت لي وكأني بشرح لها حاجة خيالية مش موجودة في الدنيا.
“مش هتجبريني أشرب حاجة؟”
​”عمرها ما تحصل.”
​مريم بصت ناحية الممر اللي عمر كان نايم فيه.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت، كتافها المشدودة نزلت وهديت.
​في الليلة دي، حطيت كبايتين مية على رخامة المطبخ.
واحدة لعمر.
وواحدة لمريم.
​محدش من الطفلين قرب منهم ولا لمسهم.
كانوا محتاجين وقت كبير قبل ما أي مشروب عادي يرجع يحسسهم بالأمان تاني.
​الجزء الثالث والأخير: المكالمة اللي أمها منعتها منها هي اللي أنقذت حياة ابني
​العيشة مع مريم كشفت لي إن اللي حصل في حديقة الأزهر مكنش مجرد حادثة وليدة اليوم ده. أول كام أسبوع، كانت بتستأذن قبل ما تشرب أي حاجة، وتقف تبص عليا وأنا بفتح أزازه العصير، وترفض أي كباية مكنتش شايفاني وأنا بصبها بنفسي من الحنفية.
​عمر كان بيعاني بطريقة تانية. الدكاترة أكدوا إنه هيتعافى جسدياً تماماً، بس بقى بيترعب لو أي حد غريب بره البيت عرض عليه أكل أو شرب، وريحة العصير العصاير السكرية كانت بتخليه يسيب الأوضة ويجري.
​محدش من الطفلين كان حابب يتكلم عن شهيرة. أنا كمان وقفت أسأل، لأن المحققين خلاص أخدوا كل اللي محتاجينه، والبيت كان محتاج يبقى المكان الآمن اللي عمر ومريم يعيشوا فيه من غير ما يحسوا إن كل كلام هو تحقيق.
​بالليل، مريم كانت بتعاني أكتر حاجة.
كانت بتفضل صاحية تقرأ لحد ما أدخل أطمن عليها، فتروح مخبية الكتاب بسرعة تحت البطانية وكأنها مستنية عقاب. أول مرة قلت لها إنها تقدر تكمل قراءة عادي، بصت لي بذهول وعدم تصديق.
​”بس ده معاد النوم..”
​”عارفة يا حبيبتي.”
​”طب لو مش جايلي نوم؟”
​”جسمك هينام لما يرتاح ويجهز.”
​بصت في وشي بتمعن: “يعني مش هتديني أي حاجة تشربيهالي؟”
​”لا يا مريم.”
​الإجابة دي مكنتش قادرة تتخيل إنها طبيعية أو حقيقية.
​في ليلة، بعد شهر تقريباً من مجيئها للبيت، مريم جالي عند باب أوضة نومي وهي ماسكة ساعتها الذكية. كانت بطلت تلبسها من يوم الحديقة لأن مجرد رؤيتها كانت بتفكرها بعمر وهو مرمي على النجيل مش بيتحرك.
​”ممكن أسألك حاجة يا طنط؟”
​”في أي وقت يا مريم.”
​طلعت قعدت على طرف السرير.
“هي ماما في المشاكل دي كلها بسببي أنا عشان اتصلت بيكي؟”
​حطيت الكتاب اللي في إيدي:
“لا يا مريم.”
​”بس لو مكنتش اتصلت، مكنش حد هيعرف حاجة.”
​”ده مبيخليش اللي حصل غلطتك إنتي.”
​مريم بصت للساعة في إيديها: “ماما قالت لي متصلش بيكي عشان إنتي هتخربي الدنيا وتعملي مشكلة أكبر.”
​قربت منها بس سبت لها المساحة تختار لو عايزة تحضنني.
“وإنتي كنتي فاكرة إيه اللي هيحصل؟”
​”قالت لي إنك هتطلبي الشرطة وتاخدي عمر مننا.”
​مريم بلعت ريقها وبصت بعيد:
“بس بعدها عمر بطل يتكلم ونفسه بقى غريب.”
​حكت لي إنها قبل ما تتصل، قعدت تهزه وتهامس باسمه كذا مرة. شهيرة قالت لها سيبيه ينوم المقلب ويرتاح.
لما نفس عمر بدأ يطلع بصوت يخوف ومكتوم، مريم اترجت أمها تطلب الدكتور.
​شهيرة رفضت.
“قالت لي إنتي بتأفوري وببتعملي دراما زي طنط سارة.”
​مريم بصت لي ودموعها نازلة ساكتة:
“ساعتها افتكرت كلامك لما قلت لي قبل كده إن لما نحس إن فيه حد في خطر لازم نطلب المساعدة فوراً حتى لو حد قالنا لا. ففتحت الساعة واتصلت بيكي وأنا خايفة جداً.”
​شديتها في حضني وحضنتها بكل قوتي.
“المكالمة دي هي اللي أنقذت حياة عمر يا مريم.. إنتي كنتي أشجع بكتير من كبار كتير.”
​الق\ضية راحت للمحكمة بعد كام شهر.
شهيرة اتواجهت بتهم الشروع في القتل، تعريض حياة أطفال للخطر، وإساءة معاملة القاصرين وإعطائهم مواد مخدرة بدون وجه حق. رسائل فونها، اعترافات الصيدلية، صور الكاميرات، والأجندة مسبوش أي مجال للدفاع.
​المحكمة حكمت عليها بالسجن المشدد 12 سنة.
وحضانت مريم اتنقلت لي بشكل رسمي ودائم.
​النهاردة، مريم وعمر بيلعبوا في الصالة.
مريم كبرت وبقت تبص لساعتها الذكية كرمز للشجاعة مش للرعب، وعمر رجع يضحك ويجري زي الأول—بس في بيت بيحترمه وبيسمح له يعبر عن نفسه بطبيعي وبأمان.
​شهيرة كانت فاكرة إنها بتعمل “مقلب” أو بتعلمنا درس في التربية، بس المكالمة اللي منعت بنتها تعملها هي اللي أنقذت ابني… وكشفت الحقيقة اللي أنقذت مريم هي كمان.
الجملة دي بالذات وضحت لي ليه صوت مريم كان مرعوب وبتترعش في التليفون.
​هي مكنتش خايفة بس إن عمر يموت…
هي كمان كانت متتربية على إنها لو طلبت المساعدة تبقى بتعصي الكلام وبتعمل مصيبة.
​”إنتي أخدتي قرار صعب أوي يا مريم،” قلت لها وأنا باصة في عينيها.
​بصت لي بكسرة: “هو أنا كده عملت الصح؟”
​”صح جداً كمان.”
​”طب وفرضاً ماما مفرقتش تسامحني أبداً؟”
​كنت متغاظة ومقهورة إن طفلة عندها تمان سنين فاكرة إن إنقاذ حياه طفل تاني يتطلب مسامحة!
​رديت عليها: “مشاعر أمك دي مسؤولية الكبار، إنتي مالكيش دعوة بيها. عمر كان محتاج مساعدة وإنتي أنقذتيه.”
​مريم هزت راسها بالراحة.
وبعدين حطت الساعة الذكية على الكومودينو اللي جنب سريري بدل ما تخبيها في الدرج زي كل مرة.
​الق\ضية الجنائية مشيت في طريقها على مدار الشهور اللي بعد كده. النيابة مكنتش محتاجة تعمل حوارات أو تحبيشت حبكة، لأن الأدلة والواقع كانوا بيحكوا القصة بوضوح:
​شهيرة جابت دوا منوم ومخدر شديد باستخدام اسم مريم وبياناتها.
فضلت تسقيه لبنتها بشكل متكرر من غير أي استشارة طبية أو حجة علاج.
أدت نفس المادة لعمر وهي قاصدة عشان تهديه وتسيطر عليه.
ولما الواد فقد الوعي ومبقاش بيرد، رفضت تطلب الإسعاف وسابته يضيع.
وفوق كل ده، حاولت تلفق التهمة ليا وتتهمني أنا.
​محاميها حاول يصور الموضوع على إنه أم مضغوطة أخدت قرارات غبية من غير ما تقصد، وادعى إن شهيرة مكنش قصدها تؤذي أي طفل، وإنها كانت فاكرة الدوا أمان ومش بالخطورة دي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *