مرات اخويا
النيابة ردت عليه بصفحات الأجندة:
فيه ضيوف الجايين النهارده – خليها هادية وملمومة.
وبعدين جابوا الرسالة اللي بعتتها عن عمر:
بعد كذا ساعة معايا في الفسحة، هعرفه إزاي العيال المحترمة بتهدى وتقعد ساكتة.
وأخيراً، هيئة المحلفين والقاضي شافوا فيديو الكاميرات في حديقة الأزهر:
الساعة 1:42 الضهر: عمر بدأ يترطش.
الساعة 1:46: وقع على الأرض.
الساعة 1:49: مريم حاولت تلفت انتباه أمها.
الساعة 1:53: مريم رجعت لعمر لوحدها.
الساعة 1:55: طفلة عندها تمان سنين عملت مكالمة الطوارئ اللي الست الكبيرة المسؤولة عنهم رفضت تعملها.
الحدث كله أخد 13 دقيقة بس…
بس رؤيته في الفيديو كانت كفيلة تخنق النفس وكأنها سنين.
أنا شهدت بخصوص صحة عمر قبل الفسحة، والحاجة اللي جهزتها له في الشنطة، والكلام اللي شهيرة قالتهولي أول ما وصلت. وكيل النيابة مسألنيش أفسر هي ليه عملت كده…
الحقايق والأدلة كانت كفاية أوي ومش محتاجة تفسير.
مريم مشهدتش في المحكمة العالنية.
التقرير النفسي، تحاليل المستشفى، سجلات الصيدلية، والأدلة المادية كانت كافية جداً، والقاضي وافق إن مفيش داعي لنحط مريم في مواجهة قصاد شهيرة في القاعة.
عمر كمان مكنش محتاج يشهد قدام المحكمة.
تسجيل المقابلة بتاعته أكد إن شهيرة قالت له العصير ده هيخليه “أهدى ومش بتهيط”، وإن مريم حذرته. والباقي أثبتته التحاليل والفيديوهات.
شهيرة في الآخر اضطرت تعترف بالتهم عشان تهرب من محاكمة كاملة في كل بند. واتحكم عليها بالسجن المشدد عن تهم إعطاء مواد مخدرة لطفل، تعريض حياة قاصر للخطر، التزوير للحصول على عقاقير، ومحاولة تضليل التحقيق.
محكمة الأسرة تعاملت مع مستقبَل مريم بشكل منفصل.
أبوها كان غايب تماماً بقاله سنين، وما ظهرش إلا لما الق\ضية بقت على كل لسان في الأخبار. بعد الفحص والتقييم، المحكمة قررت إن إعطاء الحضانة له مش هيوفر الاستقرار النفسي اللي مريم محتاجاه.
أنا خضعت لتقييم الرعاية العائلية.
الأخصائية سألتني: “إنتي مستعدة إن رعاية مريم ممكن تبقى حاجة دائمة طوال حياتك؟”
بصيت من الشباك على الجنينة بره، حيث مريم وعمر كانوا بيلعبوا ويرسموا بالطباشير.
“أيوه.”
”مستعدة لده؟”
”محدش بيبقى مستعد 100%…” ابتسمت وكملت: “بس أنا قد المسئولية ومتمسكة بيها.”
بعد كام شهر، المحكمة أدتني الحضانة الرسمية طويلة الأمد. القرار ده أدى لمريم حاجة مكنتش موجودة في حياتها من زمان: كبار بياخدوا القرارات بناءً على أمانها وسلامتها، مش عشان راحتهم الشخصية.
سمحوا لشهيرة تبعث جوابات لمريم من السجن بعد ما تتقرأ وتتراجع.
مريم رفضت تقرأ أول تلات جوابات.
شيلتهم لها في ظرف مقفول لأنهم حقها، ورفضت أجبرها على المسامحة أو أخليها فرض تاني الكبار بيفرضوه عليها.
لما سألتني في يوم تقرأ جواب، قعدنا مع بعض على ترابيزة المطبخ.
شهيرة كانت بتعتذر لها إنها رعبتها، وبتدعي إنها كانت فاكرة إنها بتساعدها تنام بس. وكتبت إنها متوحشاها وأتمنت مريم تفهم إن الأمهات بتغلط.
مريم قرأت الجواب مرتين.
وبعدين سألتني: “هو ده يعتبر غلطة عادي لو هي كانت بتعمله كتير وتكرره؟”
اخترت إجابتي بحذر: “الناس ممكن تكرر القرارات الغلط، بس تكرار الحاجة معناه برضه إن كان فيه فرص كتير قداهما عشان تقف وما تكملش.”
مريم طبقت الجواب: “أنا مش عايزة أرد عليها دلوقتي.”
”براحتك خالص، مش مجبورة.”
رجعتها جوه الظرف.
وده كان نوع تاني من التعافي… مريم كانت بتتعلم إن كلمة “لا” مش بتخليها شريرة أو وحشة.
عمر رجع مدرسته بعد شهرين من حادثة الحديقة. في أول يوم، أخد زمزمية المية بتاعته وقفل الغطا وأتأكد منه تلات مرات قبل ما يحطها في الشنطة.
كنت عايزة أقوله متقلقش وما تخافش…
بس سبته يتأكد براحته.
التعافي مش معناه إننا نجبر الأطفال يتصرفوا وكأن مفيش مصيبة حصلت…
التعافي معناه إننا ندي الخوف آمان كافي لحد ما يصغر ويروح لوحده.
على الربيع، عمر رجع يلعب كورة عادي.
ومريم اشتركت في نشاط الرسم بعد المدرسة، وبقت تنام الليل بطوله من غير ما تسألني هل أنا حطيت حاجة في المية ولا لا.
في يوم السبت بعد الظهر، أخدتهم ورجعنا حديقة الأزهر.
مقلتلهومش إننا رايحين نتحدى الخوف ولا ننتصر عليه.
سألتهم ببساطة لو حابين نروح.
عمر تردد شوية.
مريم بصت له: “ممكن نمشي في أي وقت لو احتجت.”
هز راسه بـ اه.
فروخنا.
النجيل كان هو هو، والحقيقة دي صدمتني شوية.
الأطفال بيلعبوا جنب المراجيح، الأهالي قاعدين على الكراسي، والناس بتتريض من غير ما يعرفوا إن البقعة دي من الأرض شهدت أصعب وأرعب لحظة في حياتي.
عمر فضلت ماسك فيا في الأول.
ومريم كانت لابسة ساعتها الذكية.
بعد 20 دقيقة، عمر لمح أطفال بيلعبوا كورة وسألني لو ينفع يلعب معاهم.
”روح يا حبيبي.”
جري عليهم.
ومريم فضلت واقفة جنبي.
”تفتكري هو فاكر المكان اللي حصل فيه كده؟”
“غالباً أيوه.”
“أنا فاكرة.”
شاورت على شجرة قريبة من الطريق: “هناك اتصلت بيكي.”
بصيت لها.
لمست الساعة اللي في إيدها: “كنت خلاص مش هتصل.”
“عارفة.”
“ماما كانت غضبانة أوي وزعقت.”
“عارفة ده كمان.”
مريم فضلت باصة على عمر وهو بيجري ورا الكورة.
فجأة اتكعبل ووقع.
في لحظة مرعبة، أنا ومريم اتسمرنا مكاننا.
عمر قام فوراً، نفض الطين من على ركبه، وبدأ يضحك وكمل لعب.
مريم أخدت نفسها بتنهيدة: “هو كويس.”
“الحمد لله.. كويس.”
وابتسمت.
فضلنا هناك لحد غروب الشمس.
بعدها بكام أسبوع، عمر لقى ساعة مريم الذكية بتتشحن على الرخامة.
مسكها: “هي دي؟”
مريم بصت له من على الترابيزة: “هي إيه؟”
“اللي اتصلتي بامي منها.”
هزت راسها.
عمر سكت شوية.
أنا كنت واقفة عند الحوض، بس ولا واحد فيهم كان واخد باله إني موجودة.
“إنتي اتصلتي مع إن طنط شهيرة قالت لك لأ؟”
“أيوه.”