اختي والميراث
وبعدين أمي رجعت تتكلم، وصوتها اتغير. مبقاش أعلى، ولا أهدى. بقى مجروح بالطريقة المقصودة اللي بتستعملها لما تحب تحسسني إني شيطانة.
“مش مصدقة إنتي بقيتي أنانية إزاي من ساعة ما سافرتي وقعدتي في القاهرة،” قالت بحسرة مصطنعة. “ليلى عندها ولدين، ياسين لسه عنده أربع سنين وكمان بيحاولوا يجيبوا بيبي تاني. إنتي لوحدك ومفيش وراكي مسؤوليات. هتعملي بالفلوس دي كلها إيه أصلاً؟”
أهو ده اللي كنت مستنياه.
الاسكريبت المحفوظ.
ليلى عندها عائلة.
وأنا مجرد أنا.
كأن الست اللي مش متجوزة أو ملهاش أطفال تعتبر كائن ناقص. كأن حياتي مش مهمة عشان مفيش حد بيناديني يا ماما. كأن مصاريفي دي وهم، وشغلي ده مجرد هواية، ومستقبلي ملهوش قيمة إلا لو اتدبح عشان يريح حياة حد تاني.
لفيت وشي وبصيت من الشاشة على شوارع القاهرة الواسعة. القاهرة ولا مرة طلبت مني أتبرر وجودي فيها. مكنش فارق معاها متجوزة ولا لأ، أم ولا لأ، وحيدة ولا طموحة، تعبانة ولا قوية. كانت بتسأل بس: هل نزلتي اشتغلتي ووقفتي على رجليكي؟ وده كان سبب رئيسي إني كملت هنا ومارجعتش.
“أنا لازم أرجع لشغلي،” قلت لها. “نبقى نتكلم وقت تاني.”
“مفيش كلام في الموضوع ده أصلاً،” أمي صرخت في التليفون. “أبوكي مستني منك تعملي الصح.”
وقفلت السكة في وشي.
مش قفلة طبيعية زي أي حد بيخلص مكالمة.
دي قفلة ملكة بتطرد حد أقل منها بكتير.
قعدت مكاني والتليفون في إيدي، فكي مشدود، والنار بتغلي جوة جسمي بس الإحساس الأكبر كان حاجة أسوأ من الغضب.
كانت معرفة متأصلة.
لأن مفيش حاجة من دي فاجئتني أصلاً.
تيتا ماتت من تلات أسابيع، وأهلي كانوا بدأوا خلاص يقطعوا في تركتها ويحولوها لحاجة تخدم مصالحهم. مفيش حد فيهم سألني عاملة إيه في غيابها، ولا أنا حزينة إزاي، ولا إيه أكتر حاجة واحشاني فيها. مفيش حد سألني لو كنت عايزة طقم الشاي الأزرق اللي كانت بتستعمله كل حد، ولا دفتر المذكرات القديم بتاعها، ولا صندوق الخشب اللي كان في آخر السرير وفيه اللحاف اللي كانت بتخيطه بإيديها.
أول ما سمعوا كلمة ميراث، ترجموها فوراً في عقلهم لـ (ليلى).
دي كانت القاعدة الثابتة. وطول عمرها كانت كده.
طول ما حنا صغيرين، ليلى تعوز.
ليلى تاخد.
والباقي يتكيفوا مع الوضع.
لما ليلى حبت تدخل تدريب الباليه والتمثيل، أهلي دفعوا تمن المعسكرات واللبس والجزم والسفر والفنادق، وكل المصاريف. وكانوا بيسموا ده استثمار في مستقبلها.