اختي والميراث

​التسجيل خلص.

​والسكوت اللي جه بعده كان أثقل من طن حديد.

​أمي وشها اتقلب للون الأصفر والأحمر من كتر الغضب، وعنيها كانت بتطلع شرار. ليلى صرخت بصوت عالي: «كدب! دي وصية مزورة! إنتِ ضحكتِ على العجزة يا أمل! إنتِ وكلتي دماغها! والله ما هسيبك، والمحاكم بيننا وبينك!»

​بابا خطى خطوتين ناحيتي، وعروق رقبته نطت وبرزت، ومد إيده بغضب كأنه كان عايز يخطف الموبايل أو يضربني بالقلم قدام الشارع كله.

​«هاتي التليفون ده يا بنت الـ…»

​بس قبل ما بابا يكمل خطوته، المحامي لطيف وقف قدامي وفتح دراعه كأنه حيطة سد بيني وبينهم، وطلع ورق رسمي متوثق بختم النسر ومختوم بختم المحكمة، ورفعه في وشهم بكل هدوء وبرود عصبي:

​«ألف سلامة على أعصابكم يا استاذ حسين.. بس البيت ده، والحسابات دي، والعربية دي.. وباب البيت اللي أنتم واقفين قدامه ده.. مبقاش ملككم من تلات أسابيع.. وبموجب التوثيق ده، أمل هي المالكة الوحيدة، وأي محاولة تعرض منها للضغط أو التعدي هتتحول فوراً لمحضر رسمي يودعكم كلكم النيابة بتهمة التهديد وابتزاز وارثة.»

​أبويا وقف مكانه محلك سر، وإيده معلقة في الهوا. وأمي فتحت بقها ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة. وليلى انهارت وعيطت بغل وقهر وهي بتخبط برجلها في الأرض زي الأطفال.

​بصيت لهم كلهم مرة واحدة.. نظرة أخيرة خالية من أي خوف، ولا رعب، ولا حتى عتاب قديم.

​وبعدين بصيت لعم لطيف وهزيت براسي بهدوء:

«يلا يا عم لطيف.. نفتح البيت.. تيتا كانت مستنيانا جوا.»

فتحت الباب بالمفتاح القديم اللي كان في جيبي، وريحة البيت القديم هلت عليا فوراً.. ريحة الشاي بالنعناع، والخشب القديم، وروح تيتا اللي كانت مالية المكان في كل ركن.

​أول ما دخلت، باب الصالة اتقفل ورايا، كأن الحيطان دي كانت حاضناني وبتطرد أي صوت أو صراخ بره. عيلتي كانت واقفة بره على الباب، بس صوتهم بقى بعيد أوي، كأنهم بقوا في عالم تاني خالص.. عالم خلصت حكايته معايا للأبد.

​عم لطيف مشي جنبي بهدوء، وحط الملف على الترابيزة القديمة اللي في الصالون، وقال بصوت حنون:

“ألف مبروك يا بنتي.. تيتا توحيدة كانت حاسبة كل خطوة، وعارفة إنك هتيجي في يوم تقفي وتستردي حقك.. بس تعالي معايا الأ الاول، فيه حاجة تانية سبتها لك جوه الأوضة بتاعتها.”

​مشيت وراه بخطوات بطيئة، وقلبي كان بيدق بس هادي، كأن فيه طمأنينة عجيبة نزلت عليه. دخلنا أوضة النوم بتاعتها.. الأوضة اللي قضيت فيها أحلى أيام طفولتي، وهي بتعلمني أقرأ، وهي بتطبطب على كتفي كل ما أرجع زعلانة من معاملة البيت تحت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *