طول ١٥ سنة كنت بعمل محشي ببلاش لحماتي وجوزي عمره ما دافع عني؛ ولما اكتشفت مين كان بياخد فلوس الأوردرات ، عرفت إنهم كذبوا عليا في حاجة تاني... —سبعمائة وعشرين صباع محشي يا علياء. وحاولي تخلصيهم قبل يوم الثلاثاء. مش عايزة أرجع من العين السخنة وألاقي المطبخ متكركب. حماتي سابت كيس ورق كرنب على الترابيزة وظبطت نظارتها الشمسية. وبره كانت العربية مستنية ومعاها الشنط بتاعة الكل. جوزي، رامي، كان بيراجع الإطارات؛ وسلفتي رشا كانت بتتصور جنب الحلل. لحد حمايا كان لابس مايو. وسايبين لي ست أجولة رز، لحمة، ورق، ورقة بالطلبات. —هو الكل ماشي؟ —سألت. —حد لازم يحافظ على الأصول —ردت طنت عواطف وهي بتتبسم—. ده غير إن في بيت أمك كان بيشتروا الأكل جاهز. هنا انتي تعلمتي الشغل الصح. رشا ضحكت ضحكة خفيفة. —ابعثيلي صور حلوة يا مرات اخويا. بس بلاش تظهر إيديكِ، عشان باين عليها متبهدلة أوي. دورت على عين رامي. اكتفى إنه قفل شنطة العربية. —ماتعمليش مشاكل. أمي جابت الحاجة وخلاص. وأنتي عارفة بيتعمل إزاي. شفتهم وهم ماشيين رايحين على العين السخنة. كان شهر ديسمبر، وفاضل تلات أيام على تسليم أوردرات الكريسماس وإيدي اليمين ملفوفة برباط ضغط. الدكتور كان محذرني إن لو فضلت أحشي الساعات الطويلة دي كلها، ممكن أفقّد حركة صوابعي. ومحدش فيهم اهتم أصلا. بدأت أرتب الأكياس. كنت بدور على كشكول الوصفات لما ملف وقع من ورا جردل المية الفاضي. كان مكتوب عليه استيكر: "المواسم". جوه كان فيه صور طلبات، إيصالات، وورق متقسم أعمدة: الزبون، العدد، العربون، والتسليم. وفي العمود الأخير كان حد كاتب سنة ورا سنة: "علياء بتعمل كل حاجة. الأجر: 0 جنيه". وأنا عندي تسعة وثلاثين سنة، مش فاكرة قعدت قد إيه على الأرض. طول خمستاشر ديسمبر كانوا بيقولوا لي إن الأكل ده هدية للقرائب، الجيران، وناس المنطقة. أنا اللي كنت بجهز الخلطة، أقطع الورق، أطبخ اللحم، وأنام ساعات معدودة. ولما نخلص، حماتي كانت بتودعني بحضن: "ارتاحي يا بنتي، أنا هطلع أوزعهم". عمري ما قعدت أسمع الكلام اللي بيتقال مع الضيوف المفترضين دول. أول كريسماس كانوا ثماني دستات. وبعدين عشرين، خمسة وثلاثين، أربعين. السنة اللي فاتت اشتغلت لحد الفجر ورامي لامني عشان ما قدرتش أجهز الفطار. بنتنا ليلى لقيتني بعيط وأنا بحاول أفوق إيدي من اللفافة. كان عندها حداشر سنة وهي البنت الوحيدة في البيت ده اللي سألت لو كنت محتاجة مساعدة. عشان كده الأرقام كانت بتوجعني أكتر من وجع إيدي. قدام الأسامي كان فيه تحويلات بتلاتمائة وخمسين جنيه للدستة الواحدة. وورا شوية لقيت لستات صواني أكل للمناسبات والعزومات. وأنا اللي كنت طابخة ده كله برضو. الملف ماكنش كشكول طبخ: كان دفتر حسابات لمشروع شغال سنين طويلة على ظهر رقبتي. رنّت مكالمة فيديو. ظهرت عواطف قاعدة مرتاحة جنب البسين وفي إيديها عصير. ورشا كانت جنبها. —ورينا خلصتي قد إيه —أمرت حماتي—. افتكري إن يوم الثلاثاء الجايين الزبون... قصدي الجيران. —لسه بنظم الحاجة. —طب خلصي بسرعة. وما تقربيش من الملف اللي سبته جنب المطبخ. دي حاجات تخصني. رامي عدى من ورا الكاميرا وهو لابس روب أبيض. —هو انتي لسه بادئة؟ اوعي تطلبي مننا نساعدك لما نرجع. قفلت من غير ما أرد. وبعدها بدقائق جات لي رسالة من رشا: "صور الحلل يا ريت. الحلل بس". فتحت صفحة السوشيال ميديا بتاعتها وشفت بوست جديد: "أكل بيتي على الفرازة، إعداد ماما وأنا. باقي أماكن لأوردر الثلاثاء". وتحت كان فيه صورة قديمة لإيدي، مقصوصة عشان ما حدش يعرفني. الكسوف اللي حسيته اتحول لحاجة تانية أصلب بكتير. نسخت ملفات الدفتر وحفظت الإيصالات على تليفوني. كنت هقفله لما لقيت ظرف صغير متثبت بكلبسة حمراء. مكتوب عليه: "ت. فهمي. مساعدة مطبخ. تلات سنين". فهمي كان اسم عائلة أمي. جواهم كان فيه تلات إيصالات بخمسة آلاف جنيه، وجنب كل تحويل، ملاحظة بخط إيد حماتي: "تم الاستلام. ما تقولوش لعلياء". الجزء التاني الساعة سبعة الصبح كلمت أمي. كريمة كانت سنت وكمان ستين سنة، بتبيع زرع في سوق التجمع وعمرها ما قدرت تحوش كتير. وليلى كانت معاها. —يا ماما، هو انتي حولتي فلوس لعواطف؟ حصل سكتة طويلة. —وعدتك إنك ما تعرفيش —همست. —محتاجة تقولي لي الفلوس دي بتاعت إيه. أمي أخدت نفس بصعوبة. قبلها بثلاث سنين كانت شافتني وأنا جاية بيتهم وإيدي وارمة، بعد ما حضرت أكل لعزومة حماتي. طلبت من عواطف إنها توظف حد يساعدني في ديسمبر. عواطف وافقت، بس قالت إنها محتاجة فلوس مقدم. ومن ساعتها، أمي كانت بتجمع خمس آلاف جنيه كل موسم: أربعة آلاف للمساعدة وألف عشان تشتري لي رباط ضغط وعلاج. —هم جابوا لك حد، صح يا بنتي؟ —سألت—. عشان دي كانت الشروط الوحيدة. بصيت للمطبخ الفاضي والأجولة المرصوصة جنب الحيطة. —لا يا ماما. فضلت لوحدي. ما سمعتش عتاب. دوبك عياط خفيف، من العياط اللي الأم بتנסى تخبيه عشان ما توجعش بنتها زيادة. —كنت عايزة أشتري راحة لإيديكِ —قالت. الجملة دي خلتني أعيط من غير ما أقدر أوقف. طلبت منها صور التحويلات. وفي سبب التحويل كانت كاتبة نفس الجملة تلات مرات: "علشان توظيف مساعدة لعلياء". حفظتهم جنب الملف، ولأول مرة، بطلت أفكر إزاي أنفذ الأوردرات. بدأت أفكر إزاي أوقف المهزلة دي. الجارة، طنت صباح، ظهرت وبإيديها براد شاي. كانت ساكنة جنب بيت عواطف من سنين طويلة. —سمعتك بتعيطي يا بنتي. مش لازم تشرحي لي حاجة. حكيت لها عن البيع والتحويلات. نزلت عينيها في الأرض. —عواطف كمان كانوا بيخلوها تطبخ لوحدها وهي صغيرة. شفتها بتشتغل وهي تعبانة. كنت فاكرة إنها مستحيل تعمل في ست غيرها كده. —يبقى هي عارفة الوجع بيعمل إيه. —عشان كده مالهاش عذر. صباح كلمت جارتين. اتفقنا ندفع لهم باليومية من فلوس التحويشة بتاعتي واشتغلنا سوا. ولأول مرة، المطبخ ده كان فيه كلام وقعدة حلوة مش أوامر وزعيق. وماتفقناش على أي أوردرات تانية. يوم الحد جت رشا ومعاها خطيبها، مروان. دخلت وهي بتقول إنها محتاجة تصور فيديو "طبيعي" لصفحتها. لبست مريلة نضيفة، مسكت ورقة محشي كنت مجهزاها وطلبت من مروان يصور. —دلوقتي ابتسمي يا حبيبتي. قولي إنك شغال طول الصبح —هزر، وهو مش عارف إيه اللي بيحصل. —طول الصبح لا —رديت—. دي لسه واصلة حالا. رشا بصت لي بغضب. —انتي بتعملي الأكل ده عشان إنتي من العيلة. بلاش دراما زايدة. وريتها البوست اللي بيأكد إنها هي ومامتها طبخوا كل الأوردر. مروان نزل الكاميرا. —يعني اللي بتبيعيه باسمك ده كذب؟ —إنت مالكش دعوة —ردت عليه رشا. —مامتك مولت مشروعك بفلوس شغل أنا اللي تعبت فيه —ضفت—. وأنا اللي علمتك تستخدمي الحلة. إنتي حتى ماتعرفيش تعملي خلطة الرز. رشا حبت تثبت إنها تقدر تعمل ده. قطعت ورقتين، دلت صلصة على الترابيزة وسابت المريلة. مروان قفل الكاميرا. وقبل ما يمشي، سألني لو يقدر يحتفظ بفيديوهات اليوم ده. طلبت منه يحتفظ بيها من غير ما ينشرها. بالليل رامي اتصل يزعق عشان أخته كانت بتعيط. —بكرة نازل أوزع الصناديق ومش عايز مشاكل تانية —قال—. أمي بتدفع لي بنزين العربية عشان كده. —إنت كنت عارف إنهم بيتباعوا؟ —طبعا بيتباعوا. كنتي فاكرة الرحلات بتتدفع منين؟ بس إنتي ما كنتيش بتشغلي بالك بالحسابات. طول خمستاشر سنة كنت سواق لكذبة وبرضه شايف نفسه صاحب حق يزعق! يوم الاتنين طبعت لستة الأوردرات وبعت رسايل للناس اللي مكتوبة كمشترين. ما طلبتش منهم يصدقوني: طلبت يجيبوا إيصالاتهم يوم التسليم يوم الثلاث. وجهزت برضو نسخة من تحويلات أمي. ولما عواطف أعلنت في التليفون إنها راجعة عشان تحتفل بتعيينها رئيسة اتحاد الشوارع، فهمت إن نفس الجيران اللي وثقوا فيها هيسمعوا الحقيقة. ولما بصيت على آخر صفحة في الملف لقيت سطر تاني: "مساعدة مدفوعة من دعم كريمة: صفر. الفرق مخصص للمصاريف العائلية". وتحت كان فيه إمضاء عواطف. فضلت باصة للكلمات دي. الموضوع مبقاش بس إنهم خبوا سنين تعبي: دول قبضوا تمن حمايتي واستخدموا الفلوس دي وأنا إيدي بتتأذي. إنت كنت هتفعمل إيه لو اكتشفت كده؟ احكي لي، عشان اللي حصل لما عواطف رجعت غير عيلتنا للأبد. الجزء الأخير يوم الثلاثاء، قبل الساعة أربعة بشوية، حطيت الصناديق على ترابيزتين كبار. كان عليهم استيكرات: "محشي عملته علياء فهمي وفريقها". جاراتي أخدوا أجرتهم واتكتب اسمهم بالكامل على الورق. مش همسح وجود ستات تانيين عشان أسترد حقي. الزبائن بدأوا يوصلوا ومعاهم الإيصالات. كان منهم الست بتاعة الصيدلية، وأستاذ معوض المدرس المتقاعد، وأعضاء من اتحاد الشوارع. كذا حد كان دافع زيادات عشان عواطف كانت بتقولهم إنهم بيدعموا مشروعي الصغير. —هو أنتِ كنتِ بتاخدي الأرباح دي؟ —سألتني ست الصيدلية. —عمري ما أخدت جنيه واحد من البيع ده —رديت. عربية عواطف وصلت ووقفت. نزلت وهي لابسة عقد جديد وضحكتها مالية وشها. رامي كان شايل الشنط، ورشا عينيها في الموبايل. حماتي شافت الجيران ملمومين. —إيه الذوق والجمال ده! —صرخت وهي فرحانة—. طول عمرِك أصيلة يا علياء! رئيس اتحاد الشوارع بارك لها على ترشيحها الجديد. هي شاورت على الحلل. —أصلنا بنعمل كل ده كعيلة واحدة. أنا اللي علمت علياء، دي قبل ما تتجوز ما كانتش تعرف تحشي صباع واحد! شوية من الملمومين ضحكوا. أنا رفعت الملف فوق. —قبل ما نسلم الأوردرات، حابة أوضح مين اللي اشتغل وتعب ومين اللي كان بياخد الفلوس. ضحكة عواطف اختفت. —أنتِ مش هتطلعي أسرار البيوت قدام الغراب! —دي أمور تخص فلوسهم وشراهم. هنا أساميهم والعرابين اللي دفعوها. وزعت الصور. ست الصيدلية عرفت تحويلها، والمدرس لقى أوردر الكنيسة والمنطقة. —عواطف أكدت لي إن كل الفلوس رايحة لعلياء —قال المدرس. —وأنا اتقال لي نفس الكلام —ضفت جارة ثانية. وريتهم الصفحات اللي مكتوب فيها "الأجر: 0 جنيه". كان فيه مبيعات محشي، وصواني عزومات بمبالغ معدية الثلاثمائة ألف جنيه على مدار السنين. طبعاً كان فيه مصاريف بضائع، بس أنا ما أخدتش مليم. —ده مشروعي أنا! —ردت عواطف بعصبية—. أنا اللي بظبط الزبائن وأنا اللي بشتري الطلبات! —يبقى كان لازم تدفعي أجر اللي بتطبخ، وتقولي الحقيقة للناس. رشا اتدخلت وهي بتصرخ تقريباً: —بسببها الزبائن عمالين يكنسلوا أوردرات صفحتي! مروان أخد خطوة لقدام: —لا، بيكنسلوا عشان أعلنتي عن شغل أنتِ ما عملتيش فيه حاجة. أنا كنت هناك يوم الأحد. مروان ما نشرش الفيديوهات، بس كلامه كان كفاية. عواطف حاولت تقول إنها سوء فهم. ساعتها سألتها عن أمي كريمة: —وليه أخدتِ خمسة عشر ألف جنيه من أمي، وطالما ما جبيتيش حد يساعدني؟ السكتة قطعت الحوش كله. —أمك كانت عايزة تساعد —قالت عواطف بصوت واطي. —هي كتبت بوضوح الفلوس دي لإيه. طلبت تلات إيصالات مكتوب فيهم: "علشان توظيف مساعدة لعلياء". وعواطف كانت ماضية بالاستلام. —أمي بتبيع زرع من قبل الفجر. حوشت الفلوس دي عشان إيدي ما تتدمرش. أنتِ أخدتِ الفلوس وسيبتيني أتبهدل جنب الحلل لوحدي. رامي قرب وبص للإيصالات. —ماما.. هو أنتِ أخدتِ فلوس من حماتي عشان مساعدة؟ —أوعى تقول إنك ما كنتش تعرف! —قاطعته—. كنت عارف إن شغال ببلاش وأنكم بتبيعوا كل حاجة. وكنت بتاخد فلوس بنزين عشان تطلع الأوردرات. مش محتاج تشوف التحويلات عشان تفهم اللي بيحصل. ما ردش. في اللحظة دي أمي ظهرت عند الباب، ومعاها ليلى. طنت صباح كانت بلغتهم. أمي بشالها المعتاد، مشيت لحد ما وقفت قدام عواطف. —أنا اديتك الفلوس دي عشان وثقت في كلامك —قالت لها—. ما طلبتش منك أكل بلاش، طلبت بنتي ترتاح. عواطف حاولت تمسك إيدها، بس أمي بعدت إيدها بالراحة. —مش عايزاكي ترحميني. أنا عايزاكي تبطلي تعاملي علياء كأنها مالهاش قيمة. ليلى حضنتني. وهي عندها اثنا عشر سنة كانت بتتعلم إن الحب مش معناه إنك تستحمل الإهانة. رئيس الاتحاد طبق ورقة التهنئة اللي كانت في إيده. —الترشيح ده ملغي. لازم الأول نراجع الحسابات والفلوس اللي اتأخدت من الناس. ناس كتير طلبت إيصالات، وناس ثانية كانت عايزة تدفع لي أنا بشكل مباشر. مروان مشى ورشا قفلت موبايلها. وعواطف فضلت واقفة جنب الترابيزة، من غير ما تنطق. طلبت تصفية الحسابات وترجع فلوس أمي. وقدام طنت صباح، عواطف أقرت بالكتابة بالخمسة عشر ألف جنيه ووافقت تدفعهم على أقساط. أخدت بقية الأوراق عشان أستشير محامي في حق شغلي طول السنين دي. بعدها قلعت المريلة. —أوردرات السنة دي هتوصل. بس بعد كده مافيش لقمة تطلع من تحت إيدي باسمك. ومش هطبخ هنا تاني تحت أي ظرف. رامي مشي ورايا لحد الباب. —وعيلتنا؟ هتخربي بيتنا عشان شوية محشي؟ —الموضوع مش محشي. الموضوع خمستاشر سنة شفت فيهم إيدي بتتوجع واخترت تبص الناحية الثانية. قبل ما أخرج بصيت لورا على الحلل. افتكرت لما ليلى كانت بيبي وكنت بهزها برجلي وأنا بلف الورق. محدش ساعتها سألني لو كنت تعبانة. بصيت لبنتي اللي واقفة جنب أمي، وفهمت إني مش عايزة أعلمها تضحي في سكوت. كنت عايزة أعلمها تختار. مشيت مع أمي وليلى. بالليل أكلنا عيش وجبنة وشربنا شاي على ترابيزة صغيرة. ما كانش فيه عزومة ولا خطب. أمي مسكت إيدي بالراحة وقالت لي إن أخير أقدر أرتاح من غير ما أستأذن حد. عيطت، بس المرة دي ما كنتش خايفة ولا بستخبى ورا صوت المية. عواطف رجعت الخمسة عشر ألف جنيه في الآخر. رشا مسحت إعلاناتها وبدأت ترجع العربون للناس. رامي حاول يتكلم، بس قلت له إني مش هصدق غير أفعال مش وعود. أنا وليلى قعدنا مع أمي على ما نحدد خطوتنا اللي جاية. في ديسمبر اللي بعده، طنت صباح سألتني لو حابة أقبل شوية أوردرات. قلت لها ماشي، بس على قدنا ومن غير مناهدة، ونقسّم الأجر على كل اللي يشتغل ونكتب أساميهم على العلب. أول أوردر عملته كان للبيت عندنا. ليلى اتعلمت تفرد الورق، وأمي ظبطت الخلطة، وأنا طبخت. اشتغلنا بالراحة وضحكنا. ولما خلصنا، ليلى كتبت على كارت: "عمل إيدين كريمة، وعلياء، وليلى. إحنا الثلاثة سوا". لصقتها على الحلة وبصيت لإيدينا. أمي إيدها ناشفة من شغل الزرع، وليلى خدودها عليها صلصة، وأنا لسه إيدي فيها وجع خفيف. بس ما حدش فينا كان بيشتغل وهو خايف يزعل حد. قعدنا نأكل سوا من غير استعجال، وأول لقمة كان ليها طعم تاني خالص: طعم الراحة. ما حدش فينا كان محتاج يختفي عشان غيره ياخد الشو. بعد خمستاشر سنة، ده كان أحلى هدية كريسماس في الدنيا. لو كنت مكانها، كنت هتدي فرصة ثانية للعيلة دي ولا كنت هتأخذ موقف حاسم وخلاص؟