امي خلت بنتي تغسل مواعين الكل يوم وقفة العيد
”ناديني عم ممدوح,” بابا صححه برقة، وهو بيمد إيده. “قومني يا ابني. ركبي مبقتش زي الأول.”
شادي نزل على طول، ومسك إيد بابا ومسك دراعه بأمان لحد ما بابا وقف بثبات على رجليه.
”فيه أي حاجة أقدر أعملها عشان أساعدكم؟” شادي سأل بجدية.
بابا نزل ومسك جرده المعدن المعوج، ومده ناحية شادي. “الفاصوليا الخضرا موجودة على الشمال في تسع خطوط طويلة,” بابا وجهه بطيبة. “أُمك بتفضل الكوسة الصفرا، بس هتحتاج فاصوليا كمان. دايماً انقي من تحت لفوق عشان دول اللي استووا الأول.”
شادي بص على الجردل لفترة طويلة، وبيستوعب ذكرياته القديمة عن طريق المريوطية، قبل ما يمد إيده عشان يمسك اليد.
”من تحت لفوق,” شادي كرر بهدوء. “من تحت لفوق,” بابا أكد وهو بيحرك راسه بإيجاب.
شادي دخل الجنينة حافي ورجليه على الأرض ولابس النوم الأزرق، وقعد على ركبه في الأرض الغامقة في أول خط وبدأ يجمع فاصوليا خضرا. إيفلين فضلت مراقبة ابنها وهو بيشتغل ودموع الفرح في عيونها، والعائلات اللي حوالينا رجعوا يجمعوا محصولهم بهدوء والشبورة انقشعت والشمس طلعت تنور الجنينة بذهبها.
نزلت من البلكونة وحضنت دراع بابا الرفيع. “كان ممكن تقولي الحقيقة عن ماما وتوصيلات يوم الجمعة من زمان,” قلت بهدوء.
”أنت عمرك ما سألتيني عن ده,” بابا رد بهدوء. “لما سألتيني الفاصوليا دي لمين، قلتلك إنها للناس، ودي كانت الحقيقة الصافية.”
ضحكت وأنا بدمع. “كنت كاتبة رقم محامي وكنت جاهزة أحارب شادي بكل اللي نقدر عليه.”
”كنتي ممكن تكسبى معركة قانونية,” بابا قال بفكر. “بس المحامي كان هيسيب شادي واقف على بلكونته كل الصبح بيكره الجنينة دي وبيقاسي في جروحه القديمة. الورق القانوني يقدر يجبر الراجل يبطل شكوة، بس مبيقدرش يشفي قلبه. الطريقة الوحيدة عشان تصلح حاجة زي كدة هي تخلي تشوف الحقيقة بنفسه.”
يوم الجمعة اللي بعدها الصبح، ظبطت منبهي على الساعة تلاتة خمسة وأربعين وانضميت لبابا في المطبخ الظلمة عشان نعبى إحدى عشر كرتونة خضار طازة. نزلنا طريق الهضبة وأنوار العربية مقفولة عشان منزعجش الجيران.
أول محطة لينا كانت في بيت أزرق صغنتت في شارع النزهة بيمتلكه عم وائل اللي عنده واحد وتسعين سنة، واللي مابقاش قادر يسوق أو يمشي من غير مساعدة. بابا حط كرتونة مليانة على عتبة بيته وخبط بخفة على شباك الإزاز، فطلع الراجل الطيب يلوح لنا من جوه.