امي خلت بنتي تغسل مواعين الكل يوم وقفة العيد
بص لفوق على بيته الكبير على التل. “فبنيت المكان ده فوق هناك,” قال بهدوء. “كل يوم الصبح، كنت بطلع على البلكونة اللي فوق ومعايا قهوتي وأبص لتحت على خطوط جنينتكم. كل اللي كنت بشوفه هو التريلر القديم على طريق المريوطية، وماما وهي بتشتغل على ركبها في الطين، ودواليب مطبخنا الفاضية. كنت بكرس بص عليها لأنها كانت بتفكرني بكل حاجة حاولت أهرب منها بصعوبة. وفي الآخر، أمي نفسها كانت بتيجي هنا كل أسبوع عشان تاكل من نفس الجنينة اللي حاولت أدمرها.”
خبى وشه في إيديه مرة تانية.
السكوت عم المكان المليان شبورة لحد ما بابا راح وقعد ببطء على الزلط جنب شادي. ركبه الكبيرة عملت صوت طقطقة عالي في جو الصبح الهادي.
”سنة 1982، مصنع الورق المحلي طرد أكتر من مئتي عامل، وأنا كنت واحد منهم,” بابا حكى بهدوء. “كان معايا زوجة، وبنت عندها خمس سنين، وقسط بيت، ومفيش أي فرصة عمل عشان كل مصانع الوادي كانت بتقفل. كان عندنا جنينة صغيرة وقتها مريم كانت زرعاها للورد أساسا، ومعاها كام طماطمية.”
بابا دعك إيديه الخشنين والمليانين طين في بعض بهدوء.
”الشتاء ده بالذات كان قاسي جدا علينا,” بابا افتكر. “كان فيه أسبوع برد في فبراير مكنش عندنا في المطبخ غير علبة بسكويت وبرطمان زبدة فول سوداني. مريم مدت نصيبها كله للبنت الصغيرة كريستمان، وكانت بتمثل إنها مش جعانة عشان بنتنا تاكل.”
أنا كنت واقفة على البلكونة بصدمة كاملة، ومكنش عندي أي ذكرى للصعوبة دي لأني كنت عندي خمس سنين بس ساعتها.
”في يوم الصبح، فتحت باب البيت عشان أدور على شغل ولقيت كرتونة كبيرة محطوطة على البلكونة,” بابا كمل برقة. “كانت مليانة بطاطس، بصل، خضار معلب، دقيق، وخروف كامل. مكنش فيه أي اسم مكتوب، بس ورقة صغيرة مكتوب فيها: من الجيران.. مررها لغيرك.”
شادي رفع راسه، بيسمع بتركيز شديد لكلام بابا.
”كل يوم الجمعة الصبح لحد ما ربنا رزقني بشغل جديد في جراج أتوبيسات المدرسة في مايو، صندوق تاني كان بيظهر على البلكونة,” بابا حكى بهدوء. “عمرنا ما عرفنا مين اللي كان بيسيب الحاجات دي، مع إن مريم كانت دايما مؤمنة إنها عائلة الجندي اللي بتعيش في نفس المكان اللي بيتك فيه دلوقتي. عم جندي كان أصلب من إنه يعترف بده، بس مريم خلتني أوعدها إننا هنمرر الخير ده لبقية حياتنا عشان مفيش عائلة على الطريق ده تواجه مطبخ فاضي.”