مرات ابني

​وكتبت جملة واحدة تمنيت يفضل فاكرها:

​”أنت ما بتجهزش لغياب حد بأنك تتدرب على مسحه وهو عايش.”

​ما ردش عليا لمدة أربع أيام.

​ولما اتصل أخيرًا، ميرفت ما كانتش معاه على الخط.

​قال: “أنا كنت بفكر في بابا.”

​رديت: “وأنا كمان.”

​”كان هيبقى مكسوف مني أوي.”

​ما حاولتش أريحه أو أغير الفكرة دي من دماغه.

​يمكن ممدوح كان هيزعل، أو يتضايق، أو كان هيأخذه ينزل بيه على المرسى ويتكلموا لحد ما الليل يليل.

​بس ممدوح مات، وأنا قضيت سنين طويلة ببسط الحقائق الصعبة لابني لمجرد إني أمه.

​هشام كمل كلامه: “كنت بضحك على نفسي وأقول احنا بنفكر بعقلانية.. بس لما ليلى سألتك هو أنتِ هتبعي البيت، فهمت إنها فاكرة إنك واقفة في طريق حاجة ملكنا.”

​زوري اتقفل وقولتله: “ده بالظبط اللي أنا سمعته حسيت بيه.”

​سكت لفترة طويلة وبعدين قال: “أنا آسف.”

​المرة دي، ما جابش أعذار.

​مفيش مبررات.

​مفيش “بس”.

​الآسف وبس.

​ميرفت أخدت وقت أطول.

​فات شهرين تقريباً قبل ما أسمع منها بجل. بعتتلي ورقة مكتوبة بخط إيدها. مش هكدب وأقول إنها أصلحت كل حاجة، بس كان فيه سطر مهم: اعترفت إنها بدأت تتعامل مع بيت البحيرة على إنه “مكاننا في المستقبل”، وسابت الفكرة دي تكبر في دماغها لحد ما بقت حقيقية عندها أكتر من حقيقة إن البيت ده هو بيتي في الحاضر.

​دي كانت أول حاجة صادقة تقولها.

​ما عزمتهمش الصيف ده.

​البيت كان محتاج هدوء، وأنا كمان كنت محتاجة.

​في سبتمبر، قضيت أسبوعين هناك لوحدي. نضفت المزاريب، ودهنت بنك المرسى تاني، وحافظت على كل قطعة عفش في مكانها اللي أنا عايزاه.

​خصوصاً الكرسي الأزرق.

​في أخر صباح، أخدت صورة ممدوح ونزلت بيها على المرسى مع القهوة. البحيرة كانت صافية وزي المراية، وصوت مركب صياد جاي من بعيد.

​بصيت لضحكته اللي في الصورة وضحكت بصوت عالي.

​قولتله: “مش هتصدق الأسبوع اللي مر عليا كان عامل إزاي!”

​وبعدين فكرت تاني..

​هو غالباً كان هيصدق كل كلمة!

​هشام جه في أكتوبر، لوحده في الأول.

​ما استخدمش كود.. خبط على الباب.

​وده كان فارق معايا أكتر ما هو فاهم.

​ما جابش معاه مقاول، ولا ملف، ولا خطط. جاب شنطة طلبات وشنطة العدة القديمة اللي ممدوح كان مديهاله من سنين.

​قضينا بعد الظهر بنربط الخشب المفكوك في المرسى.

​وفي لحظة، سألني إذا كنت عايزاه يغير الكرسي الأزرق عشان فيه رجل بدأت تتهز.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *