ادهم 1

أوبال سكتت شوية، وبعدها قامت من مكانها وراحت للمكتبة.

رجعت بكتاب قديم، وحطته قدامي.

«عارفة إيه الفرق بين اللي اتظلم واللي استسلم؟»

هزيت راسي.

«اللي اتظلم ممكن يتعب ويخاف ويقع، لكنه بيفضل يدور على باب يرجعه لنفسه. إنما اللي استسلم بيقنع نفسه إن مفيش أبواب من الأساس.»

فتحت الكتاب، ولقيت جواه ورقة مكتوب فيها رقم تليفون محامي.

«ده الأستاذ فؤاد عبدالسلام. محامي قديم كان بيساعد جوزي في شغله. راجل كبير، لكنه أمين. هكلمه بكرة وأشوف إذا كان يقدر يبص في قضيتك.»

بصيت لها باستغراب.

«ليه بتعملي كل ده عشاني؟ إنتِ متعرفينيش غير من كام يوم.»

أوبال رجعت قعدت قدامي، وعينيها بقت حزينة فجأة.

«عشان من سنين طويلة، بنتي رجعت البيت في يوم من الأيام وهي بتعيط، وقالتلي إن محدش صدقها لما اتظلمت في شغلها. وأنا وقتها كنت مشغولة بمشاكلي، وقلت لها إنها لازم تتعلم تدافع عن نفسها. بعد شهور، خسرت شغلها وبيتها، وبعدها سافرت ومقطعتش أخبارها بس، أنا كمان خسرتها من حياتي سنين طويلة.»

سكتت، ومسحت عينيها بطرف المنديل.

«أنا مش عايزة أشوف واحدة تانية بتضيع لوحدها لمجرد إن الناس قررت تحكم عليها قبل ما تسمعها.»

مديت إيدي ومسكت إيدها.

«أنا مش عارفة أرد لك الجميل ده إزاي.»

ضغطت على إيدي وقالت:

«مترديش الجميل. بس لما الحقيقة تظهر، متخليش الظلم اللي اتعرضتي له يخليكي تظلمي حد تاني.»

الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الليل.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت تليفون أوبال.

كانت واقفة في الصالة، بتتكلم بصوت واطي، ولما شافتني قربت مني وقالت:

«المحامي هيقابلك الساعة اتناشر.»

لبست هدومي بسرعة، وجهزت كل اللي كنت فاكرة إني محتفظة بيه من أيام الشركة.

كان معايا دفتر صغير قديم، فيه أرقام حسابات وأسماء موظفين وتواريخ تحويلات. الدفتر ده كان آخر حاجة قدرت أخرج بيها من حياتي القديمة قبل ما الشرطة تاخد كل حاجة.

وصلنا لمكتب الأستاذ فؤاد، وكان راجل في أواخر الستينات، شعره أبيض ونظارته سميكة، بيتكلم بهدوء لكن نظرته دقيقة.

قعد قدامي وقال:

«عايز أسمع منك كل حاجة من البداية. ومش عايزك تخبي أي تفصيلة، حتى لو حسيتي إنها صغيرة أو ملهاش لازمة.»

بدأت أحكي.

حكيت له عن الشركة، وعن أول يوم فتحت فيه مكتب صغير في مبنى قديم، وعن الساعات اللي قضيتها وأنا براجع الحسابات بنفسي، وعن الموظفين اللي كانوا بييجوا الصبح يلاقوني سبقاهم، وعن أول عقد كبير قدرت أمضيه مع مجموعة عيادات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *