بعد ثواني
— حاضر.. هو يوم واحد فعلاً.
الساعة 2 بالليل، جمعت أوراقي، شهاداتي، كشوفات حسابي، و94 صفحة سجلت فيها كل حاجة باليوم والساعة، وسكرين شوتس من كل المحادثات، وحطيتهم في شنطة سفر سودا.
أنا مكنتش بهرب.. أنا كنت مستنية اللحظة الصح.
واللحظة دي جت لما عفاف قررت قدام العيلة كلها تثبت إني مكسورة ومسواش جنيه في فستاني اللي لابساه.
قاعة الفرح في دريم لاند في 6 أكتوبر كانت مليانة ورد، وصوت الدي جي والأنوار مالية المكان، والطاولات مفروشة بمفارش بيضا فخمة. طنط عفاف وصلت على كرسي متحرك متزين، ولابسة فستان متطرز ومستورد عدى الـ 18 ألف جنيه. أنا بقى، كنت لابسة الفستان الرمادي اللي هي اختارته مخصوص عشان تكسرني وتهينّي بيه.
طول الساعات دي، كنت بشيل وأحط: أسقي الناس مية، أظبط الأطباق، أطلع أكسجين وأدوية، وأنفذ كل طلبات عفاف. في قرايب ميعرفونيش افتكروني من أطقم السرفيس والقاعة.
— أنتِ الممرضة اللي مع الهانم؟
— أنا مرات ابنها.
الست اللي سألتني بصلتي بنظرة فيها إحراج ووطت عينها. حازم كان بيمشي بين الطاولات يوزع ابتسامات ويتلقى التبريكات:
— ما شاء الله عليك يا حازم، ابن بار وأصيل ومسؤول عن أمك.
كان بيضحك ويهز راسه كأنه هو اللي سهران طول السنة يغير حفاضات ويقلب في أنبوبة الأكسجين. لما جه وقت التورتة والكلمتين، نيفين أخت حازم مسكت المايك:
— وبرضه عاوزين نشكر إلهام، اللي شالت ماما كتير وعملت اللي عليها.
عفاف خبطت عصايتها في الأرض بحدة وصوتها جاب القاعة:
— نشكرها على إيه؟ دي عايشة تحت سقف ابن ي وتاكل من خيره وفلوسه!
القاعة كلها سكتت. أنا كنت شايلة طبق شوربة دافي ورايحة بيه لترابيزتها. أول ما قربت، عفاف حركت إيدها الشمال بقسوة وضزت الطبق. الشوربة بتغلي واندلقت كلها على معصم إيدي. وقعت الصينية من إيدي:
— آه!
جلدي احمرّ في ساعتها وبدأ يقلب بفقاقيع. حازم كان واقف على بعد خطوتين. بَص الأول على إيدي المحروقة، وبعدها بَص على بقعة الشوربة اللي نزل على فستان أمه المطرز.. واختار.
— ماما! الشوربة جات عليكي؟ اتلسعتِ؟
وطى بسرعة يجيب مناديل ينضف القماش.
— إلهام! إيه الغشومية دي؟ مش تخلي بالك؟
بصلته ومنطقتش.. في اللحظة دي بالظبط مات كل شيء جوايا ناحيته، اتقتل جوازنا. بس عفاف مكنتش خلصت لسه. طلبت المايك، وأمرت نيفين تزق الكرسي لوسط القاعة.