فاطمة 1-2

ثم أردف بصوت جعل فؤادها ينبض، مكررًا كلماتها:
جوزك، وأبو ابنك، والراجل اللي بيحبك ميستحملش حياة أنتِ مش فيها يا “نوارة”.

كانت أنامله التي مسحت عبراتها عن وجنتيها أشبه بالشفاء من داء كان هو سببه.

نظرت إليه بعتاب، فبادلها النظرة نفسها، ثم قال مازحًا:
أنا هخرج أقطع الملف ده مية حته، وبلاها شغل خالص علشان عيونك يا “نوارة”.

ابتسمت أخيرًا، رغم كل شيء ابتسمت.

لم تعد تملك طاقة للجدال أكثر، ولا لمقاومة رغبتها في تصديق كلماته، رغم أن الجرح القديم ما زال ينبض بالألم داخلها.

تحدثت أخيرًا:
هقوم أكمل العشا.

وبلطف شديد رد عليها، غامزًا بمشاكسة:
لا، أنا اللي هعملك العشا.

بعد مغادرته قررت الذهاب إلى ابنها، وصلت إلى غرفته فوجدته واقفًا أمام النافذة يطالع الطريق في الخارج، كان يقرأ سورة الناس ولكنه توقف عن الترديد حين شعر بحضورها

ابتسمت “نوارة” بحنان قبل أن تسأله:
واقف تبص من الشباك ليه يا “بلال”.

هل يخبرها أنه كان يتابع رحيل “سهر” بعد كل ما حدث بسببها؟ أم يخبرها أنه شعر بالاختناق بمجرد أن بدأ الشجار بينها وبين والده، فسارع إلى النافذة بحثًا عن بعض الهواء؟
طال صمته، وفي النهاية التفت إليها وسأل سؤالًا لم تتوقعه:
هو أنتِ وبابا اتخانقتوا ليه؟
_ احنا متخانقناش يا حبيبي.
قالت ذلك وهي تعلم أن “بلال” أذكى من أن يصدق هذه الكذبة. كان سابقًا لسنه، يلاحظ أكثر مما ينبغي ويفهم أشياء لم يكن من المفترض لطفل في عمره أن يفهمها.

استدار إليها “بلال” قائلًا:
أنا سمعت صوتكم عالي، أنتوا علطول لما بتتخانقوا بيكون بسبب طنط “سهر”.

عجزت عن الرد، لكنه واصل إرهاق روحها بأسئلته:
ماما هي طنط “سهر” عملت إيه ليكي؟
إيه اللي خلاكي تزعلي منها ومتبقوش صحاب؟

أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تستدعي ابتسامة جاهدت لتظهر، وهي تضم وجه ابنها بين كفيها وتحادثه برفق:
في حاجات أنت ممكن متفهمهاش، وده مش علشان أنت صغير.
لا أنا عارفه إنك كبير وعقلك يوزن بلد بس ده مش وقتها.

كان ينظر إليها بحزن رغبت في وأده فورًا. لم تكن تريد أن ترى تلك النظرة في عيني ابنها أبدًا، فأكملت:

أنا عايزاك تركز في مذاكرتك وفي نفسك، ومتقلقش أنا وبابا مش متخانقين ولا حاجه.

ثم استرعت انتباهه حين نطقت:
أقولك على حاجه كمان؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *