فاطمة 1-2
أفاق مما هو فيه، متذكرًا أن “بلال” قد يخرج في أي لحظة، وأنه بالتأكيد سيخبر أمه عند عودتها بوجود “سهر” هنا، لذلك قال بحدة:
“بلال” ممكن يخرج حالا، وأنا مش عايزه يشوفك هنا.
ازدادت ابتسامتها اتساعًا وهي تهمس:
يبقى بلاش نتكلم هنا، “بلال” ولد مؤدب افتكر مش هيدخل عليك أوضتك من غير ما يخبط.
ولم تمهله فرصة للاعتراض، إذ اتجهت مباشرة إلى غرفته وفتحت الباب.
_”سهر”!
هتف باسمها غير مصدق ما تفعله، لكنها لم تلتفت إليه حتى، واكتفت بالدخول تاركة الباب مواربًا خلفها، وكأنها لا تشك لحظة في أنه سيلحق بها.
مرر يده بين خصلات شعره بعصبية، وكاد يقتلعها من شدة انفعاله، ثم تنهد بقوة قبل أن يتجه إلى غرفة ابنه.
طرق الباب وسمع صوت “بلال” يأتيه من الداخل:
نعم يا بابا
أجابه بنبرة هادئة افتعلها بصعوبة:
“بلال”، أنا لسه مجهزتش يا حبيبي، كنت بعمل مكالمة شغل، لما تخلص لبس انزل اشتري العصير اللي بتحبه لحد ما أجهز.
وافقه “بلال”، فأغلق “طارق” عينيه لثانية قبل أن يتجه إلى غرفته عاقدًا العزم على وضع حد لهذه المهزلة، فـ”سهر” لم تعد تترك له مساحة لالتقاط أنفاسه، وتلك الفوضى التي أشعلتها لا بد أن تنتهي اليوم.
دخل إليها، فوجدها تنتظره بهدوء مستفز، وكأنها لم تفعل شيء.
حرص على أن تبقى نبرة صوته هادئة، رغم الغضب الذي كان يغلي بداخله، وقال بصرامة:
أنتِ هتطلعي من هنا، وتخرجي من البيت ده ورجلك متعتبهوش تاني.
هزت رأسها موافقة، وهي تطالعه بتلك النظرات التي تعرف جيدًا أثرها عليه، ثم قالت بهدوء:
جايز فعلا يا “طارق” تقدر تخرجني من البيت ده ومتخليش رجلي تعتبه تاني أبدا، لكن مش هتقدر تخرجني من جواك.
_ أنا خرجتك من زمان واختارت “نوارة” و”بلال”.
قال جملته تلك، وما إن انتهى منها حتى وجدها تقطع المسافة الفاصلة بينهما حتى كادت تتلاشى.
رأت تأثيرها عليه، ذلك العرق النابض في عنقه، وأنفاسه التي لم تعد منتظمة، وعينيه العالقتين بها رغم محاولته صرفهما عنها، فضاعفت انتصارها وهمست:
كداب
التحمت الأعين، ثم اقتربت أكثر حتى أصبحت كلماتها تلامس شفتيه قبل أن تصل إلى أذنيه:
تحب أثبتلك إنك كداب دلوقتي؟
كانت فتنة تمشي على قدمين، والأسوأ أن حزنها زادها جمالًا في عينيه، وهي تنطق بنبرة أنهكته:
أنا حبيتك يا “طارق” وأنت كمان حبتني وقولتلي ده، وأنا مش بكره “نوارة” ولا عايزه أبوظ حياتك
شعر بدموعها الساخنة تسقط على عنقه، فتداعى ما تبقى من مقاومته، بينما واصلت هي بصوت مرتجف:
أنا راضية أكون التانية بس نبقى سوا، من يوم ما قولتلي إنك بتحبني وأنا بقى ليا حق فيك، أنا بدافع عن الحق ده.