فاطمة 1-2
هز رأسه موافقًا فأخبرته بضحكة:
أنا خليته يدخل يحضر العشا عقاب ليه علشان مبيسمعش الكلام.
ابتسم “بلال”، فتابعت بشفقة مصطنعة:
بس شكله صعب عليا.
_ تيجي نساعده؟
اقترحت ذلك على ابنها، فوافق على الفور.
أخذته من يده بابتسامة هادئة، متجهة به إلى حيث والده، وقد نجحت في إخفاء ما يعتصر قلبها من أجله وحده…من أجل “بلال”.
_________________________________________
ليه خلتنى أحبك؟..
لا تلومني ولا أعاتبك..
فين أهرب من حبك؟..
روح منك لله..
بدموعي الحيرانة..
وعيوني السهرانة..
بدعيلك بأمانة..
روح منك لله.
كانت “نوارة” تجلس في الشرفة تستمع إلى صوت “ليلى مراد” المنبعث من المذياع، تردد الكلمات معها، ولا يحضر إلى ذهنها سوى “طارق”.
كم لامست هذه الأغنية وجعها، فكل سؤال تغنيه “ليلى مراد” الآن سبق أن همست به “نوارة” لنفسها في ليالٍ طويلة لم تعرف النوم فيها لحظة.
كيف تهرب من هذا الحب؟ وكيف تنجو منه، وهي كلما تذكرت ما فعله بها “طارق” تألمت، وكلما نظرت إليه أحبته أكثر؟
قطع شرود “نوارة” رنين هاتف المنزل الذي وصلها صوته من الخارج.
تركت فنجان قهوتها على الطاولة واتجهت لترد، لتتفاجأ بصوت “أحمد” زوج شقيقتها، وفي الخلفية كانت تسمع صرخات “إيمان”، مما جعلها تسأله بلهفة:
خير يا أحمد هي “إيمان” بتولد؟
_ أيوه يا “نوارة”، هي اللي طلبت مني أكلمك وعايزاكي معاها.
كان القلق ينهش قلبه على زوجته، وانتقل الخوف إلى “نوارة” هي الأخرى، فموعد الولادة لم يحن بعد.
_ طب أنا هجيلكم حالا، اديني عنوان المستشفى.
أجابها سريعًا:
احنا لسه نازلين من البيت أهو وطالعين على المستشفى، انزلي استنيني يا نوارة وهعدي عليكي في طريقنا.
وقبل أن ترد، وصلها صوت “إيمان” وهي تهتف باسمها بلوعة، فانتفض قلبها وأسرعت تطمئنها، بينما تجمعت الدموع في عينيها:
متخافيش يا “إيمان” هتقومي بالسلامة إن شاء الله.
اشتد خوف “نوارة” على شقيقتها، فـ”إيمان” لم تكن أختها الصغرى فحسب، بل قطعة من قلبها، ورغم حبها لشقيقتها الكبرى “أميرة”، ظلت “إيمان” الأقرب إليها منذ أن حرمهن الموت من أبويهن، فلم يبق لهن سوى بعضهن البعض.
لم تنتظر أكثر، أسرعت إلى غرفتها لتبدل ملابسها استعدادًا للنزول، وفؤادها لا يرحمها كلما تذكرت صرخة شقيقتها المستغيثة ونداءها، ولم تتمن في هذه اللحظة سوى أن يمر هذا اليوم بسلام.