رواية جديدة جدا 2

استقام همام بجسده وربت على كتفها قائلاً:
“هروح أنا بقى علشان متأخرش. وانتي يا أمي، معلش شوفي روفان وطيبي خاطرها.”
أومأت برأسها وقالت:
“ماشي يا حبيبي، روح، ربنا يوسع رزقك ويفتحلك الأبواب المقفولة يا رب.”
قبل رأسها بابتسامة حنونة، ثم خرج من الفيلا.
فتح السائق باب السيارة الخلفي له، لكن همام هز رأسه قائلاً بهدوء:
“لا، أنا اللي هسوق العربية، روح أنت في العربية التانية.”
جلس خلف المقود، وأدار المحرك، ثم انطلقت السيارة متجهة به نحو مقر شركته الجديدة.
**********************
داخل الشركة…
جلس همام خلف مكتبه بضيق، ينظر من خلال الحائط الزجاجي إلى الخارج، ثم قال بصوت غاضب:
“أنا هتجنن يا فؤاد، يعني كان لازم تسيب الشغل؟ أنا وديت روفان هناك علشان تشوفنا وأحرق قلبها وأكسرها، بس للأسف اتفاجئت إنها سابته.”
زفر فؤاد، زوج أخته، بنفاد صبر وقال:
“انساها بقى يا همام، يمكن دي إشارة من ربنا ليك علشان تشيلها من دماغك. ركز في حياتك وفي بنتك، دول أهم دلوقتي.”
حرك همام رأسه بالرفض، وقال بصوت غاضب يحمل وعدًا خفيًا:
“مش هرتاح غير لما أكسرها زي ما كسرتني يا فؤاد، عايز أشوف نظرتها وهي فقيرة وأنا وصلت للي وصلته، توريني بقى الخاتم الألماظ اللي كانت فرحانة بيه نفعها بإيه؟ اللي سابتني علشانه فين دلوقتي؟ لازم أعمل كده علشان قلبي يرتاح وجرحه يلم، وساعتها بس أقدر أشوف حياتي.”
ابتسم فؤاد بسخرية وقال بتهكم:
“بتحلم يا همام، إنت لما تشوفها قلبك هيوجعك أكتر، والألم هيتجدد جواك كأنه لسه دلوقتي، نظرتها هتفتح باب جديد جواك يا همام، وابقى قول ابن خالتي قالها: راحتك في قربها، مش بعدها.”
أنهى كلامه، ثم استدار وخرج من المكتب تاركًا همام وحده.
ظل همام ينظر إلى أثره بضيق، ثم تحولت نظراته إلى غضب مشتعل، وقال بتوعد:
“بكرة تشوف بعينك وأنا بكسرها، وبرد كرامتي يا فؤاد.”
***********************
في المساء…
انشغلت عهد في تنظيف المطبخ الصغير، تحرك يداها بسرعة وهي تفرك الأواني المتراكمة وكأنها تحاول أن تفرغ فيها كل ما يعتمل داخل صدرها من ضيق، كانت ملابسها مبللة ومتسخة ببقايا الماء والمنظفات، وخصلات شعرها التصقت بوجهها من شدة الإرهاق.
وفجأة قطع الصمت صوت طرقات متتالية على باب الشقة.
توقفت يدها في الهواء، ونظرت نحو الباب بقلق، مسحت كفيها سريعًا في طرف ملابسها المبللة، ثم خرجت من المطبخ بخطوات مترددة، ازداد الطرق قوة، فابتلعت ريقها ومدت يدها لتفتح الباب.
ما إن فتحته حتى اتسعت عيناها قليلًا عندما رأت عم حسن، صاحب الشقة، يقف أمامها بملامح متجهمة.
حاولت أن ترسم ابتسامة متوترة على شفتيها وقالت بخجل:
“ع عم حسن! اتفضل.”
نظر لها بضيق وتكلم بنبرة غاضبة:
“اللي انتوا بتعملوا ده ميرضيش ربنا، ده تالت شهر متدفعوش الايجار، أنا مش فاتحها جمعية خيريه، مليش فيه اذا كنتي سيبتي الشغل ولا لا، معاكي لآخر الاسبوع يا تجيبي الفلوس كلها المتأخرة عليكي، يا تفضي الشقه وتسلميها.”
شعرت عهد وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، تشبثت بطرف الباب وكأنها تبحث عن شيء يسندها، ثم تكلمت بترجي وصوت مختنق:
“طيب اديني بس وقت ادور على شغل، وانا والله اول ما اشتغل هجبلك فلوسك كلها، اسبوع قليل اوي يا عم حسن.”
هز رأسه بضيق وكأن أعذارها لم تعد تعني له شيئًا، ثم تكلم بصوت غاضب وأشار بأصابعه بتحذير:
“أنا اديتك وقت بما فيه الكفايه وكل مرة تقولي كده ومش بتنفذي كلامك، اخر كلام اللي قلته ليكي يا عهد ولو منفذتهوش كمان اسبوع هجيب الشرطة ترميكم بره.”
أنهى كلامه وتحرك من أمامها بخطوات غاضبة، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً.
ظلت عهد واقفة مكانها لثواني، تنظر إلى أثره وكأنها لم تستوعب بعد ما حدث، كانت دقات قلبها تضرب صدرها بعنف، وأنفاسها تخرج متقطعة.
أغلقت الباب ببطء، ثم استدارت نحو الداخل.
وقع بصرها على والدها الجالس في الصالة، يشعل سيجارته بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن الكلمات التي سمعاها منذ لحظات لا تعني له شيئًا.
تصلب وجهها قليلًا.
حركت رأسها في رفض صامت لواقع فرض عليها قسرًا، واقع لم تختره لكنها تدفع ثمنه كل يوم.
اتجهت إلى غرفتها بخطوات ثقيلة، ثم جلست على طرف السرير. أرجعت شعرها إلى الخلف وأمسكته بقوة بين أصابعها، تضغط عليه وكأنها تفرغ فيه غضبها وعجزها معًا.
تذكرت فجأة حديث صديقتها ريم.
تسللت الفكرة إلى عقلها من جديد، كأنها باب تحاول تجاهله لكنه يصر على أن يفتح.
نظرت إلى الهاتف الموضوع بجوارها بتوتر.
عقلها يجبرها على الموافقة بعرض ريم، أما قلبها، فكان يرفض تلك الطريقة المهينة بكل ما فيه من قوة.
ظلت للحظات طويلة تحدق في الهاتف، وكأنها تنتظر معجزة تنقذها من القرار.
لكن لا معجزات تأتي للفقراء.
أغمضت عينيها لثانية، ثم زفرت ببطء وكأنها تبتلع مرارة كاملة دفعة واحدة.
وأخيرًا، حسمت الأمر.
مدت يدها وأمسكت الهاتف، ضغطت على الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب، وانتظرت.
رن الهاتف مرات قليلة قبل أن يأتيها صوت ريم من الطرف الآخر.
فتحت عهد فمها بصعوبة، ثم تكلمت بصوت منكسر وقالت:
“أنا موافقة، حددي ميعاد معاه.”
لم تنتظر ردًا، أغلقت الخط فورًا، وألقت الهاتف بجوارها على السرير.
ثم رفعت رأسها ببطء ونظرت أمامها بنظرات قاسية، نظرات فتاة أعلنت حربها الصامتة على الدنيا كلها،
لتبقى واقفة وحدها في المعركة، بقوتها المعتادة التي لم يعرفها أحد.
***********************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *