رواية جديدة جدا 2
الإجراءات القانونية معقدة، والوضع غير مستقر.
استدعته إلى غرفتها في المستشفى، كانت شاحبة الوجه، لكنها واضحة النظرة، قالت بهدوء حاسم:
“لو اتجوزنا، إقامتك هتكون قانونية وثابتة، ومفيش حد يقدر يضغط عليك أو يخرجك من البلد. وانت تبقى رسميًا شريك معايا قدام الكل.”
لم يكن الحديث عاطفيًا هذه المرة، بل واقعيًا، حل يحسم أزمات متشابكة:
حمايتها من الابتزاز، وتثبيت وضعه القانوني، وضمان استمرار الشركة.
جلس صامتًا طويلًا.
كان يعلم أن القرار سيغير مسار حياته بالكامل.
لكن البديل كان أكثر قسوة، وافق أخيرًا على الزواج منها.
خطوة عملية لضمان الإقامة والاستقرار، خطوة لم يكن قلبه مستعدًا لقبولها بعد.
كانت لانا سعيدة جدًا بموافقته، فرحة كطفلة صغيرة حصلت على حلمها، لكنها سرعان ما اكتشفت حقيقة الأمر.
فبعد الزواج، ابتعد عنها همام.
لم يستطع الاقتراب منها، لم يكن قادرًا على لمسها أو أن يشعر بالارتباط العاطفي الذي تمنته.
لم يكن هذا بسبب قسوة أو رفض، بل لأن قلبه مازال متعلقًا بعهد، بماضيه، بحب لم يغلق فصوله بعد.
مع مرور الوقت، بدأت لانا تتقرب منه، بهدوء، بمحبة صادقة، محاولة أن تكسر جدران قلبه الصلب.
أصبحت أكثر حضورًا، أكثر اهتمامًا، ترافقه، تهتم بتفاصيله، تحاول أن تشارك حياته الصغيرة والكبيرة.
مرت السنوات، وحملت لانا منه، واضطرت للجلوس في المنزل، تعتني بالطفلة الصغيرة، بينما همام يتفرغ لإدارة الأعمال.
لم يكن هناك حب متبادل بعد، لكنها حاولت، حاولت أن تزرع في قلبه شعورًا جديدًا، شعورًا بالراحة والاطمئنان، محاولة أن تجعله يحبها من جديد، من الداخل هذه المرة، لا فقط كواجب أو كالتزام قانوني.
ومع كل تلك المحاولات، ومع كل لمسة حنان، ومع كل كلمة صادقة، بقيت جدران قلبه منيعة، صلبة، لا تسمح لأي شعور أن يتسلل إليه بسهولة.
كانت معركة صامتة، حربًا بين ما يجب وما يريد، بين ما أوجبه الواجب وما يفرضه الحب الحقيقي، بين الماضي الذي يرفض الرحيل والحاضر الذي يطلب الإذن بالدخول.
***********************
بااااك…
عاد من دوامة الذكريات على صوت رنين هاتفه.
ارتجف قلبه للحظة، كأن الماضي رفض أن يتركه يغرق فيه طويلًا.
نظر إلى شاشة الهاتف، الاسم المضيء أمامه كان: لانا.
تجمد للحظة، كم من مرة تجاهل مكالماتها؟
كم من مرة رد ببرودٍ متعمد؟
أخذ نفسًا عميقًا، كمن يستعد لمعركة غير معلنة، ثم ضغط زر الإجابة وقال بصوت جاد:
“ايوه يا لانا.”
لكن الصوت الذي أتاه لم يكن صوتها.
كان صوتًا صغيرًا، مرتجفًا، يختنق بالبكاء، صوت طفلته.
“ألحق مامي، مش بترد عليا.”
في تلك اللحظة، انخلع قلبه من مكانه.
انتفض من مقعده وكأن الأرض اشتعلت تحته، وتكلم بقلق بالغ، صوته لم يعد ثابتًا كما اعتاد:
“اهدي يا حبيبتي، انا جاي حالاً.”
أغلق الخط دون أن ينتظر ردًا، وركض.
لم يشعر بنفسه وهو يهبط الدرج، لم يسمع صوت خطواته، لم ير شيئًا أمامه سوى صورة واحدة:
لانا ملقاة، وابنته تبكي وحدها.
صعد سيارته، أدار المحرك بعجلة، وانطلق بسرعة جنونية.
الإشارات، السيارات، الطرق، كلها كانت مجرد عوائق يجب تجاوزها.
كان قلبه يدق بعنف، وكأن صدره لم يعد يتسع له.
دعاء صامت خرج من بين شفتيه لأول مرة منذ زمن طويل.
حين وصل، لم ينتظر حتى تتوقف السيارة تمامًا.
ترجل بسرعة، واتجه نحو الباب، فتحه بيد مرتعشة.
المشهد الذي رآه لن يمحى من ذاكرته أبدًا.
ابنته تجلس على الأرض، بجوار جسد لانا الملقى بلا حراك، تبكي بخوف شديد.
اقترب منها أولًا، حملها بين ذراعيه، ضمها إلى صدره بقوة حتى تهدأ، كانت ترتجف، ثم نظر إلى لانا.
وجهها شاحب بصورة لم يرها من قبل.
انحنى بجوارها، ربت على وجهها بخفة.
“لانا.”
لم تجب، الدماء كانت تتدفق من بين شفتيها بغزارة، منظر أصابه بالذعر.
نهض بسرعة، اتصل بالإسعاف، صوته متقطع، كلماته تتعثر.
وضع ابنته على المقعد، ثم عاد إليها.
اقترب من لانا، حملها بين ذراعيه، شعر بثقل جسدها بين يديه، وكأن الحياة انسحبت منه.
وضعها على الأريكة، وانحنى فوقها، صوته انكسر لأول مرة أمامها:
“لانا ردي عليا، أنا وبنتك هنموت من القلق عليكي، لانا يا لانا.”
لكن دون جدوى، كانت ساكنة، أكثر مما يجب.
وصلت سيارة الإسعاف أخيرًا.
حملوها بسرعة، تحركت النقالة، الأضواء تومض، الأصوات تتداخل.
قاد هو سيارته خلفهم، وابنته في المقعد الخلفي تبكي بصمت الآن، وكأنها استوعبت أن الأمر أكبر من دموعها.
في المستشفى…
وقف همام وهو يحمل طفلته بين ذراعيه، ينظر إلى باب غرفة الفحص.
كل ثانية تمر كانت كأنها سنوات.
كان يسمع صوت الأجهزة من الداخل، خطوات الممرضين، همسات سريعة بلغتهم.