رواية جديدة جدا 2
في الداخل، جاء صوت سميحة:
“مين اللي على الباب يا بت؟”
أفسحت الفتاة الطريق.
تحرك همام ببطء إلى الداخل، خطواته ثقيلة، كأنه يعبر زمنًا لا مجرد باب.
ثم، رآها، والدته، كانت جالسة في مكانها المعتاد.
شعرها ازداد بياضًا، وجهها نحف، لكن عينيها، كما هما.
تجمدت في مكانها، تجمعت الدموع في عينيها، وكأنها تخشى أن تغمضهما فيختفي.
تحرك خطوة، ثم أخرى.
تكلمت بشفاه مرتعشة:
“ه همام؟”
لم ينتظر أكثر، ارتمى داخل أحضانها كطفل عاد بعد ضياع طويل.
تمسك بها بقوة، استنشق رائحتها التي اشتاق إليها حد الألم.
لأول مرة منذ سنوات، شعر أنه عايش فعلًا.
استوعبت أنه حقيقي بين ذراعيها.
ضمته بقوة، تقبل وجهه، رأسه، كتفيه، والدموع تتسابق على وجنتيها:
“الحمد لله يا رب، مديت في عمري لحد ما شوفته واخده في حضني من تاني، وحشتني يا ضي عيوني، آه يا ابني كنت خايفة ربنا يسترد أمانته قبل ما أشوفك.”
أمسك يدها، قبلها بحب وقال بنبرة حنونة:
“وحشتيني أوي يا أم همام، وحشني حضنك وريحتك، ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك يا رب.”
جلس بجوارها، وما زالت محتفظة به بين ذراعيها كأنها تخشى أن يغيب مرة أخرى.
أشار بأصابعه لابنته وقال بابتسامة خافتة:
“الحضن ده دلوقتي هيروح لحد تاني.”
حمل روفان، ووضعها على ساق والدته:
“روفان بنتي يا أمي.”
تعلقت أنظار الجميع بها.
أنفاس حليمة تعالت، ابنة ابنها بين يديها، نعمة لم تتوقعها.
احتضنتها بقوة، ودموعها تنساب:
“ما شاء الله، بنتك جميلة أوي يا همام، ربنا يحميها ويحرسها.”
ثم رفعت نظرها إليه.
رأت الحزن المختبئ خلف ابتسامته.
قالت بصوت حنون مكسور:
“ربنا يرحمها يا حبيبي، ويعوض شبابها في الجنة.”
تنهد بوجع عميق، كأن الكلمات كانت تنتظر أن تخرج:
“أنا قصرت كتير أوي معاها يا أمي، مقدرتش أديها الحب اللي تستحقه،
آخر حاجة قالتها ليا، نفسي أشوف حبي في عيونك.”
سكت المكان، أشارت حليمة لأولاد سميحة:
“خدوا بنت خالكم وادخلوا أوضتكم يا ولاد.”
قبلت الطفلة وقالت:
“روحي يا حبيبتي، أولاد عمتك معاكي متخافيش.”
نظرت روفان إلى أبيها، أومأ لها، فذهبت.
حين اختفى صوتهم، عاد الصمت.
نظرت حليمة إلى ابنها بعين تعرفه أكثر مما يعرف نفسه:
“لسه بتحبها يا ابني بعد السنين دي كلها؟”
سؤال بسيط، لكن وقعه ثقيل.
نظر بعيدًا، ثم قال بصوت مختنق:
“مش قادر أحدد مشاعري ليها ايه،
بس كل اللي أعرفه إن جرح قلبي لسه بينزف من جوه، لسه فاكر صوتها وهي بتهني، كلامها اللي كسرني،
الخاتم الألماظ في صوابعها، فاكر كل حاجة، كأنها امبارح.”
أمسكت يده، ضغطت عليها بحنان أم تخاف على ابنها من نفسه:
“انسى يا ابني، انت دلوقتي أب، بلاش تظلم بنتك زي ما ظلمت مراتك، خلي وقتك لبنتك، عوضها عن غياب أمها،
اللي انت بتفكر فيها، زمانها دلوقتي اتجوزت وعايشة مع جوزها ونسيتك.”
ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيه.
“متجوزتش يا أمي، سابها لما أبوها خسر فلوسه وكل حاجة راحت.”
رفعت حاجبيها بصدمة:
“انت كنت متابع أخبارها يا همام؟”
زاغ ببصره، توتر خفيف في نبرته:
“لا، عرفت صدفة، من واحد صاحبي.”
هزت رأسها ببطء، بعين لا تخدع:
“انت بتكدب عليا يا همام، ودي أول مرة تعملها معايا، انساها، وركز مع بنتك.”
استقام بجسده ببطء، وكأن الحركة نفسها أصبحت ثقيلة فوق كتفيه، ثم نطق بصوت مختنق بالكلمات التي بدت وكأنها تنتزع من صدره انتزاعًا:
“أنا همشي بقى، وهسيبك هنا بس الكام يوم دول لحد ما ألاقي فيلا هخدكم كلكم تعيشوا معايا فيها.”
رفعت سميحة رأسها إليه فورًا، وقد ارتسم القلق الصريح في عينيها، وكأن مجرد فكرة رحيله الآن بدت غير مقبولة لديها، قالت بسرعة:
“هتمشي تروح فين؟ انت هتقعد معانا هنا، هدخل اجهزلك اوضة ميار تقعد فيها انت وبنتك.”
اقترب منها خطوة وربت على كتفها برفق، تلك الربتة التي تحمل امتنانًا أكثر مما تحمل رفضًا، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، يكسوها حزن خفي، تحدث بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
“لا معلش يا سميحه، أنا هروح اقعد فى الشقه القديمة.”
لم يعجبها رده، فانعقد حاجباها فورًا، وقالت بلهجة رفض واضحة:
“مينفعش يا حبيبي الشقه هناك كلها تراب، دي مقفولة من يوم ما سافرت.”
أومأ برأسه بتفهم، وكأنه كان يتوقع اعتراضها منذ البداية، ثم أجاب بهدوء:
“عارف، هنام فيها كده النهاردة وبكرة هجيب حد ينضفها.”
في تلك اللحظة حاولت حليمة أن تنهض من مكانها، متكئة على ذراع المقعد، وقالت بنبرة مليئة بالحرص:
“اصبر يا ابني هاجي معاك.”
لكن همام حرك رأسه سريعًا بالرفض، وكأن الفكرة نفسها أثقلت قلبه أكثر، ثم قال بلطف:
“لا خليكي انتي هنا وانا هشوف فيلا فى أسرع وقت وهنبقى مع بعض على طول، بس دلوقتي هتتبهدلي فى التراب.”