رواية جديدة جدا 2
“عمر لآخر مرة هقولها ليك، متمدش ايدك على حد ولو حد غلس عليك تعالى قولي وانا هتصرف، علشان لو عملت مشاغبة تاني هبلغ الإدارة واخليهم يعملوا استدعاء لولي امرك، يلا روح ألعب.”
ركض وهو يتمتم بضيق، بينما جلست هي تراقب الأطفال وضحكاتهم التي تملأ المكان، كانت تنظر إليهم وكأنها تحتمي ببراءتهم من قسوة عالمها.
تنهدت بوجع صامت.
اقتربت منها ريم وجلست بجوارها، وقالت بتساؤل:
“مالك يا عهد، ايه معصبك كده.”
أزاحت شعرها للخلف وقالت بصوت مختنق:
“أنا تعبت يا ريم، بابا مش حاسس بحاجه، ولسه عايش دور رجل الأعمال عايز فلوس على طول، بيشرب سجاير العلبيتين منها بمرتب الشهر كله، ده غير على طول بيعيرني كان معيشني ازاي، وان انا السبب فى الحال اللي وصلنا ليه، أنا شايلة الشيلة كلها لوحدي، وبقول اهو حاجه اشغل بيها وقتي علشان انسى وجعي واشتياقي لهمام، بس بجد مبقتش قادرة، عارفه انا محتاجه مين دلوقتي؟ محتاجه، محتاجه همام يجي يخدني فى حضنه يقويني ويطمني إن اللي جاي هيكون أحلى، أنا همام وحشني اوي يا ريم.”
نظرت إليها ريم بحزن وقالت بهدوء:
“انسي يا عهد، زمانه نساكي وعايش حياته مع واحدة غيرك، اكيد بعد ما انتي كسرتي هيدور على غيرك يضمد ليه جرحه، عارفه أنه كان غصب عنك بس هو ميعرفش، انتي كسرتي كبرياء راجل، ودول عندهم كرامتهم غاليه عليهم اوي.”
ظلت عهد تنظر أمامها، عيناها ثابتتان لكن داخلهما إعصار، ثم قالت بصوت خافت موجع:
“انتي عارفه اللي يوجع بجد ايه؟ عدم ثقته فى حبي ليه، هو لو كان متأكد أني بحبه بجد، مكانش صدق اللي حصل ده بسهولة، بس هو حبه كان ضعيف اوي لدرجة أنه صدق ومشي من غير ما يتأكد من الحقيقه، انا لما كنت بقوله كده، عيوني كانت بتصرخ بعشقه، بتترجى ميصدقش، يقول مستحيل اصدق انك تعملي كده، انتي بتعشقيني يا عهد، بس للاسف معملش كده واختار البعد وسابني اتعذب، واتكوي بنار حبه، أنا اديته عهد أن انا مش هكون لراجل غيره، وحافظت على الوعد ده، حتى لو هو نساه.”
لم تجد ريم ما تقوله. بعض الجراح لا تداوى بالكلمات.
اكتفت بابتسامة حنونة، ثم نهضتا ليعودا إلى الأطفال، إلى الضحكات التي تخفي خلفها قلوبًا مثقلة.
************************
عند همام…
جلس خلف مكتبه الجلدي العريض، في مكتبه الفخم الذي يعكس نجاحًا صنعه بيده، لكنه لا يعكس سلامًا داخليًا.
الملفات أمامه مرتبة، الأرقام دقيقة، التوقيعات جاهزة، إلا قلبه، كان الشيء الوحيد غير المرتب في حياته.
ظل يحدق في الورق دون أن يقرأ سطرًا واحدًا.
كلمات لانا ما زالت تدور في رأسه كصدى لا يهدأ.
“نفسي أشوف حبي في عيونك.”
أغمض عينيه لحظة.
تأنيب ضمير ثقيل يجلس فوق صدره.
هي لم تبخل عليه بشيء، دعمت، صبرت، شاركته البداية، أنجبت له طفلة أعادت إليه بعض الحياة، لكنه لم يمنحها الشيء الوحيد الذي طلبته، الحب، وقلبه.
قلبه كان يرفض أن ينبض لغيرها، لعهد فقط.
مد يده إلى هاتفه بتردد، كأنه يعرف أن الاتصال هذا سيعيد فتح جرح لم يلتئم، ضغط الرقم وانتظر.
جاءه صوت رجولي مألوف.
تكلم بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا، لكنه خرج مختنقًا:
“عامل ايه؟ وامي واختي والعيال اخبارهم ايه؟”
جاءه الرد بترحاب صادق:
“ابن خالتي، وحشتني يا راجل، امك واختك والولاد بخير الحمدالله، انت عامل ايه؟ وبنتك ومراتك عاملين ايه؟”
ارتكز بمرفقيه على المكتب، وخفض صوته:
“كويسين.”
صمت لحظة، لحظة أطول من اللازم.
ثم خرج السؤال الذي حاول أن يمنعه:
“هي عاملة ايه؟”
على الطرف الآخر، ساد صمت قصير، ثم جاء الرد بضيق واضح:
“زي ما هي شغالة فى حضانة الأطفال، وساكنة فى شقة صغيرة فى حارة هي وابوها.”
انقبض قلبه، أغمض عينيه كأن الصورة تشكلت أمامه بوضوح مؤلم، تكلم بصوت مختنق:
“الطمع اخرته وحشه، باعت قلبي علشان الفلوس، وفى الاخر خسروا كل حاجه وهو رماها، لما ملاقش من وراها مصلحة.”
كانت الكلمات تخرج منه غاضبة، لكنها لم تكن موجهة لها وحدها.
كان غاضبًا منها، ومن نفسه، ومن ضعفه أمامها.
زفر زوج أخته بنفاذ صبر:
“انساها يا همام بقى خلاص، انت دلوقتي راجل متجوز ومعاك بنت زي القمر، وبقى عندك حياتك ووضعك أختلف عن الأول بكتير.”
رفع بصره نحو الزجاج أمامه، يرى انعكاس صورته لا المدينة.
رجل ناجح، زوج، أب.
ومع ذلك، مكسور.
تحدث بنبرة موجوعة صادقة:
“مش بأيدي، حاولة انساها ومقدرتش.”
جاءه السؤال مباشرًا:
“لسه بتحبها؟”
تنفس ببطء، وكأنه يغوص داخل نفسه ليبحث عن الإجابة، ثم قال:
“مش عارف، بس كل ما قلبي يحن ليها، عقلي يتدخل ويفؤقني، يصرخ بألم ويقولي: فوق انت نسيت اللي عملته فيك، نسيت كلامها، كسرتها ليك ولكرامتك وكبريائك، أنا مش قادر احدد اللي جوايا ليها ده ايه، حب واشتياق، ولا انتقام لكرامتي، بس كل اللي أعرفه، أنها مسيطرة عليا طول السنين اللي فاتت دي، ومش قادر اشوف حياتي شبه الناس.”
كان صادقًا هذه المرة، صادقًا لدرجة أوجعته.
جاءه صوت زوج أخته أكثر هدوءًا، أكثر حكمة:
“معتقدش أن شعورك ليها ده انتقام، انت لسه بتحبها يا همام، حتى لو اقنعت نفسك بغير كده، سلام يا ابن خالتي.”
انقطع الاتصال.
ظل الهاتف في يده للحظات، ثم أنزله ببطء.
الصمت في المكتب كان ثقيلًا، ثقيلًا كذكرياته.
ابتسم ابتسامة موجوعة، لا تحمل سخرية ولا رضا، فقط اعترافًا داخليًا بأنه لم يتحرر يومًا.
أدار مقعده قليلًا، وترك ظهره يستند إلى الجلد الناعم.
وعاد بعقله إلى أول يوم وطأت قدماه هذه البلد، يوم كان مكسورًا، وحيدًا.
يحمل قلبًا محطمًا، وكبرياءً مجروحًا، ووعدًا لم يفي به أحد.
************************