رواية جديدة جدا 2
بالمساء…
أخيرًا هبطت الطائرة على الأراضي المصرية.
لم يكن الهبوط عاديًا بالنسبة له.
حين لامست عجلات الطائرة أرض المدرج، شعر وكأن شيئًا داخله اصطدم هو الآخر، اصطدام قديم عاد صداه بعد سنوات من الصمت.
فتح باب الطائرة، واندفع هواء دافئ إلى الداخل.
هواء يحمل رائحة تراب يعرفه جيدًا،
رائحة وطن غادره هاربًا.
وقف همام أعلى درج الطائرة، ممسكًا بيد ابنته الصغيرة.
توقف، لم يتحرك فورًا.
نظر أمامه، إلى الأضواء الممتدة، إلى أرض المطار التي شهدت يومًا انكساره.
تذكر اللحظة التي مر من هنا فيها وقلبه ينزف، تذكر كيف كان يمشي يومها بلا روح، تذكر تلك العيون، العيون التي أحبها حد الوجع، ثم رآها، في نظره، تذ..بحه بلا شفقة ولا رحمة.
صوت خلفه أعاده من غرقه.
“لو سمحت.”
أحد الركاب يستأذن ليمر.
أومأ برأسه ببطء، كأن الحركة أثقل مما يجب، وبدأ في النزول.
درجة، ثم أخرى.
يده تمسك يد روفان بإحكام، وكأنها الحبل الوحيد الذي يربطه بالحياة.
وحين وضع قدمه أخيرًا على الأرض، انتفض جسده انتفاضة خفيفة.
لم تكن واضحة لمن حوله، لكنها داخله كانت زلزالًا.
الآن، هو على نفس الأرض التي تسير عليها عهد.
يتنفس نفس الهواء، يفصل بينهما فقط شوارع، وربما قدر يتربص، شعر لوهلة أن قرار العودة كان متسرعًا.
أن قلبه لم يشف كما أقنع نفسه.
أن الماضي لم يدفن، بل كان ينتظره هنا.
صدره أخذ يعلو ويهبط بسرعة جنونية، كأن رئتيه ضاقت فجأة.
ذكريات مرت أمام عينيه في ومضات خاطفة:
ضحكتها، بكاؤها، صمتها الأخير، ثم الفراغ.
كأن ما حدث كان بالأمس.
قبضة صغيرة شدت على أصابعه.
صوت طفولي نقي اخترق عتمته:
“بابي هو احنا هنعيش هنا على طول؟”
التفت إليها، نظر في عينيها طويلًا، بحث فيهما عن شيء يثبته، عن سبب يجعله لا يندم الآن.
أومأ برأسه، وأجبر شفتيه على ابتسامة حزينة.
“ايوه يا حبيبتي، دي بلدي وبلدك. وأحق بينا دلوقتي، أكتر مكان هتلاقي فيه الأمان، هتحسي فيها بحضن مامتك وطبطبت أبوكي، هتحسي إن روحك ردت فيكي طول ما إنتي فيها،
يلا بينا نعمل مفاجأة لتيتة بوصولنا.”
كان يتكلم لها، لكن جزءًا منه كان يتكلم إلى نفسه.
هل سيجد الأمان فعلًا؟
أم سيجد المواجهة التي هرب منها؟
انحنى، حملها بين ذراعيه.
جسدها الصغير استقر فوق صدره،
ودقات قلبها الهادئة اصطدمت بدقاته المضطربة.
تحرك لينهي الإجراءات.
داخل صالة الوصول، كانت الحياة تدور بسرعة:
ضحكات، أحضان، دموع فرح، نداءات متلاحقة.
أما هو، فكان يسير وكأنه يمشي فوق خيط مشدود بين ماضي لم يغلق، ومستقبل لا يعرف ملامحه.
أخذ حقائبه، خرج إلى الخارج.
توقف لحظة عند الباب الزجاجي الكبير قبل أن يعبره.
رأى انعكاس صورته عليه، رجل أقسى مما كان، أهدأ مما ينبغي، وأعمق جرحًا مما يعترف.
تنفس ببطء، ثم عبر.
في تلك اللحظة، دون أن يعلم، كانت في نفس المدينة امرأة تنظر إلى سقف غرفتها وتظن أن حياتها انتهت.
ولا تعلم أن الحياة تستعد أن تعيدها إلى نقطة البداية، لكن بثمن أفدح.
استقل سيارة أجرة، وروفان بجواره تراقب كل شيء بفضول طفولي.
تحركت السيارة ببطء أولًا، ثم اندمجت في الطريق.
الأضواء تمر أمامه، الشوارع التي حفظها عن ظهر قلب تعود إليه، كل زاوية تحمل ذكرى، وكل ذكرى تحمل ألمًا.
قبض يده بقوة، همس داخله صوت قديم:
“مستعد؟”
لم يجب، لأنه يعرف، أن هذه العودة ليست مجرد رجوع إلى وطن.
هذه عودة إلى جرح لم يخاط، إلى حب لم يدفن، إلى مواجهة، ستشعل ما ظن أنه انطفأ.
**************************
وصل همام أسفل بناية شقيقته.
أوقف السيارة، ولم يترجل فورًا.
رفع رأسه ينظر إلى الشرفات القديمة، الحديد المشغول الذي تغير لونه، الغسيل المعلق، صوت التلفاز المرتفع من أحد الجيران، كل شيء كما هو، وكأن السنوات التي غابها لم تكن.
لكن هو، لم يعد كما كان، تعالت دقات قلبه بوضوح.
يده ما زالت ممسكة بأكرة السيارة، متيبسة.
نظر إلى روفان الجالسة بجواره، تراقب المكان بفضول طفولي.
ابتلع غصته، وقال بصوت مختنق حاول أن يجعله ثابتًا:
“ده بيت عمتك، وتيته عايشة معاها هنا، اوعي تتكبري على أهلك يا حبيبتي، الفلوس بتروح وتيجي، إنما دول العزوة اللي بجد، من غيرهم هتكوني فقيرة أصل وسند، فهمتي يا بنتي؟”
أومأت برأسها ببراءة لا تدرك عمق كلماته.
مد يده يداعب شعرها، ثم نزل من السيارة وأمسك بيدها وصعدا الدرج.
كل درجة كانت تثقل صدره أكثر.
وقف أمام الباب، تردد لحظة، ثم طرقه، فتح الباب سريعًا.
ابنة شقيقته وقفت أمامه، كبرت كثيرًا.
نظر إليها بعينين امتلأتا شوقًا وقال:
“وحشتيني يا قلب خالك، بقيتي عروسة زي القمر.”
ارتمت داخل أحضانه دون تردد:
“خالو همام أنا مش مصدقة نفسي!”
ضحك بخفة وهو يقبل رأسها:
“ايه يا بت الحلاوة دي؟”