رواية جديدة جدا 2

لم يفهم الكلمات، لكنه فهم التوتر.
ضم ابنته إلى صدره أكثر، كأنه يحتمي بها من المصير الذي يخشاه.
وأخيرًا، خرج الطبيب.
لكن ملامحه لم تكن مطمئنة.
اقترب منه همام بقدم مرتعشة، تكلم بلغتهم، سألهم عن زوجته.
كان قلبه يدعو أن يسمع كلمة واحدة فقط: “بخير”.
لكن الإجابة جاءت كخنجر غرس في صدره بلا رحمة:
“أنا اسف، زوجتك انتقلت إلى الرفيق الأعلى.”
العالم سكت، لا صوت، لا حركة، لا شيء.
حرك رأسه بالرفض ببطء، كأن أذنيه خدعتاه.
نظر إلى ابنته، كانت تحدق فيه بعيون لا تفقه ما يحدث.
ضمها بقوة داخل صدره.
وهبطت دمعة واحدة من عينه.
لم تكن دمعة صراخ، لم تكن دمعة انهيار، كانت دمعة ثقيلة، محملة بأسئلة لم يسألها في وقتها.
محملة بكلمات لم يقلها.
محملة باعتراف لم يمنحه لها يومًا.
لا يعلم إن كانت تلك الدمعة شعورًا بالندم، أم ألم الفقد، أم لأن القدر أعاد المشهد ذاته مرة أخرى، امرأة ترحل وتتركه خلفها، كما فعلت سابقًا عهد.
لكن الفرق هذه المرة، أنها لم تتركه بإرادتها.
**********************
“الفصل التاسع”
مرت عدة شهور على موت لانا.
لم يعد الوقت يقاس بالأيام، بل بثقل المسؤوليات.
البيت الذي كان يمتلئ بصوتها، بخطواتها، بتفاصيلها الصغيرة، صار صامتًا، صمتًا خانقًا.
الجدران كما هي، الأثاث كما هو، صورتها ما زالت معلقة في مكانها، لكن الروح، غادرت.
ابنته تحتاج رعاية واهتمامًا يفوق طاقته أحيانًا.
العمل يتطلب منه تركيزًا صارمًا.
والمنزل، أصبح مقبرة ذكريات.
كان يعود ليلًا مرهقًا، يحمل طفلته النائمة إلى سريرها، يجلس قليلًا في الصالة، ينظر إلى الفراغ المقابل له، وكأنها ستدخل بعد لحظة حاملة فنجان قهوتها، تسأله عن يومه كما كانت تفعل.
لكن لا يأتي أحدًا.
وفي لحظة عابرة، لحظة تعب داخلي لم يحتملها، اتخذ القرار الذي كان يهرب منه منذ سنين، العودة إلى وطنه.
ابنته تحتاج أن تكون بجوار جدتها، بجوار عمتها، وسط عائلة تعرف معنى الاحتواء.
لكنه هو؟ شيء في قلبه كان يصرخ بالرفض.
لم يكن مستعدًا لمواجهة الماضي.
لم يكن مستعدًا لرؤيتها.
لم يكن الوقت مناسبًا ليضعها أمام حقيقة أنه عاد، بعد كل تلك السنوات، وبعد كل ما حدث.
شعور متناقض بين العودة واللا عودة.
بين الهروب والمواجهة.
بين راحته وواجبه تجاه طفلته.
ظل أيامًا يتقلب بين القرار ونقيضه، حتى استقر أخيرًا.
بدأ ينهي أوراقه، يرتب أعماله، يصفي التزاماته.
وبدأ يهيئ ابنته لفكرة العودة إلى موطنها الأساسي، الذي لم تعرفه إلا من خلال حكاياته.
في صباح يوم عاصف، فتح همام عينيه ببطء.
السماء خلف النافذة مغيمة، والرياح تصفع الزجاج.
التفت إلى جواره، كانت روفان نائمة، شعرها مبعثر على الوسادة، أنفاسها هادئة.
ابتسم لها ابتسامة حزينة، تلك الابتسامة التي تحمل حبًا وخوفًا معًا.
مال برأسه وقبل جبينها بحنان، وقال بصوت هامس:
“حبيبت بابي، يلا يا حبيبتي علشان منتأخرش على الطيارة.”
فتحت عينيها ببطء، رمشت قليلًا، ثم ابتسمت ببراءة، وقالت بتساؤل:
“هنلاقي مامي هناك؟ أصلها وحشتني اوي.”
تجمد قلبه، أغلق عينيه لحظة، كأن السؤال طعنة متكررة لم يعتد عليها بعد.
حملها برفق، أجلسها على قدمه، واحتضنها قريبًا من صدره.
وتكلم بصوت مختنق، يحاول أن يكون ثابتًا:
“مامي عند ربنا يا حبيبتي، وبعد عمر طويل ليكي هتروحي عندها، هي دلوقتي شيفاكي وحاسه بيكي، وهي هتفرح اوي لما تروحي عند تيته ام بابي، تشوفك وتشوفيها، لأنها كانت نفسها اوي تقابلها، وانتي بنوتة شطورة وبتسمع الكلام صح؟”
أومأت رأسها بالموافقة، عيناها تلمعان بطفولة لا تعرف ثقل الفقد، وقالت:
“صح يا بابي، وانا مش هزعل مامي مني خالص.”
ابتسم لها بحب، مد يده يداعب شعرها برفق، وقال:
“طيب مش يلا بقى، علشان اجهزك وأجهز نفسي، علشان منتأخرش على الطيارة.”
وقفت سريعًا على السرير، وقفزت بسعادة طفولية لا تشبه حزن الكبار، وقالت:
“هييه هركب الطيارة وهروح مصر.”
ابتسم رغم ألمه، ربما كانت هي الشيء الوحيد الذي يمنحه القدرة على الوقوف.
حملها بين ذراعيه، وذهب بها إلى غرفتها.
بدأ يبدل لها ملابسها بعناية، يختار لها فستانًا مناسبًا، يمشط شعرها بلطف، يثبت المشابك الصغيرة كما كانت تفعل أمها.
توقف لحظة وهو ينظر إلى انعكاسها في المرآة، تشبه لانا في ملامحها كثيرًا.
تركها تلعب قليلًا، وعاد إلى غرفته.
بدل ملابسه، وقف أمام المرآة، نظر إلى وجهه طويلًا.
خطوط التعب صارت أوضح.
وعيناه، لم تعدا كما كانتا.
وقعت عيناه على صورة لانا المعلقة على الحائط.
اقترب منها ببطء، مد يده يلامس إطار الصورة، كأنها المرة الأخيرة، لم يتكلم.
لكن داخله كان يعج بكلمات لم تقل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *