رواية جديدة جدا 2
بعدها رفع صوته قليلًا وهو ينادي ابنته لتأتي معه، لكن سميحة سبقت اللحظة وقالت مطمئنة:
“سيبها يا همام تنام مع لمار وميار، متخافش عليها.”
التفت همام بعينيه نحو ابنته، وتوقفت نظرته عند ملامحها الصغيرة لثواني أطول مما ينبغي، وكأن قلبه يتردد بين أن يأخذها معه أو يتركها هنا حيث الدفء. ثم سألها بنبرة يغلفها حنان واضح:
“تخليكي معاهم ولا تيجي معايا يا حبيبتي؟”
لم تتردد الطفلة لحظة، بل ردت عليه بحماس طفولي صادق:
“لا هقعد معاهم يا بابي أنا حبيتهم اوي.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة حقيقية هذه المرة، ابتسامة أب رأى الراحة في عيني طفلته. انحنى قليلًا وقبل رأسها بحنان، ثم استقام واتجه نحو الباب بخطوات هادئة.
وقبل أن يخرج، ألقى نظرة أخيرة خلفه.
كان المشهد بسيطًا، ضحكات الأطفال تتعالى في الداخل، وصوت سميحة وهي تتحدث معهم بحنان، ودفء عائلي افتقده منذ سنوات طويلة.
توقف قلبه للحظة، وكأن جزءًا منه تمنى لو استطاع البقاء.
لكن شيئًا داخله لم يسمح بذلك.
فتح الباب وغادر.
وبعد وقت…
توقفت السيارة أخيرًا أمام البناية القديمة.
ترجل منها ببطء، ورفع عينيه نحو الشقة التي لم يطأها منذ سنوات. بدا المكان كما تركه تمامًا، صامتًا، ساكنًا، وكأنه ينتظر عودته.
أخرج المفاتيح من جيبه، وبقي لحظة ينظر إليها قبل أن يفتح الباب.
انفتح الباب بصوت خافت، ودخل.
كان يقف داخل الشقة القديمة.
سكون ثقيل يملأ المكان، وغبار خفيف يستقر فوق الأثاث كطبقة من الذكريات المنسية. لم يتحرك في البداية، بل وقف في منتصف الصالة ينظر حوله ببطء، وكأن كل زاوية هنا تحمل جزءًا من ماضي حاول طويلًا الهروب منه.
تقدمت خطواته ببطء، وعيناه تتنقلان بين الجدران التي حفظت تفاصيل أيام لم تعد موجودة.
تذكر عندما أتت معه عهد.
تذكر كلماتها، ضحكاتها التي كانت تملأ المكان بالحياة، مزاحها الذي كان يسرق منه كل ضيق، وأخيرًا، عهدها.
ذلك الوعد الذي نطقته بثقة، حين قالت إنها ستبقى معه مهما حدث.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ابتسامة لا تحمل فرحًا بقدر ما تحمل مرارة عميقة. ثم تمتم بصوت خافت مثقل بالخذلان:
“كلها وعود كدابه اسمها عهد ومتعرفش حاجه عنه.”
خرجت من صدره تنهيدة حارة، كأنها محاولة فاشلة لإفراغ شيء عالق داخله منذ سنوات.
بعدها اتجه بخطوات بطيئة نحو غرفته، باحثًا فقط عن بعض الراحة، أو ربما عن هدنة قصيرة من أفكاره التي لا تهدأ.
************************
“الفصل العاشر”
مرت عدة أسابيع ثقيلة، كأن الأيام قررت أن تثقل على صدر عهد أكثر مع كل صباح جديد، لم يعد الليل يمنحها راحة، ولا النهار يحمل لها أملاً. كل شيء في حياتها صار باهتًا، مثل قلبها الذي أنهكته الخيبات.
استيقظت عهد من نومها على ألم مبرح في شعرها، كأن أحدهم اقتلعه من جذوره، فتحت عينيها بفزع لتجد والدها ممسكًا بخصلات شعرها بقوة، وعيناه تقدحان غضبًا. كان وجهه قريبًا منها إلى حد مخيف، وأنفاسه الحادة تضرب وجهها بينما يصرخ بصوت غليظ:
“انتي هتفضلي نايمة كده يا روح امك، أنا عايز سجاير وعايز فلوس.”
تأوهت بألم وهي تحاول أن تخفف قبضته عن شعرها، وشعرت بأن رأسها يكاد ينفصل من شدة الشد، صرخت بصوت متألم وقد امتلأت عيناها بالدموع:
“اعمل ايه طيب ما أنا كل يوم بنزل ادور على شغل ومش لاقيه، رجلي ورمت من كتر المشي.”
نظر إليها ببرود خالي من أي شفقة، ثم قال بلهجة قاسية لا تحمل ذرة نخوة:
“معرفش، اتصرفي حتى لو هتشتغلي خدامة فى البيوت.”
سقطت الكلمة عليها كأنها دلو ماء بارد أُلقى فوق رأسها فجأة، للحظة شعرت أن قلبها توقف عن النبض، حركت رأسها ببطء وهي تنظر إليه بعدم تصديق، كأنها تنتظر أن يخبرها أنه يمزح، ثم قالت بصوت مرتجف:
“انت بتقول ايه يا بابا؟ عايز بنتك تشتغل خدامة فى البيوت علشان تجيب ليك حق السجاير؟”
أومأ برأسه ببرود، وكأن الأمر عادي تمامًا، ثم تكلم بنبرة غاضبة:
“ايوه فيها ايه، الشغل مش عيب ولا حرام.”
تجمعت سنوات من الغضب داخل صدرها دفعة واحدة، وانفجرت كلماتها أخيرًا بعد صمت طويل، صرخت به بغضب مكبوت، وكأنها تفرغ مرارة سنين كاملة:
“قول لنفسك، دلوقتي عرفت أن الشغل مش عيب؟ عرفت أن الفقر مش وصمة عار، عرفت أن كلنا بشر؟ طيب مدام شايف كده، روح انت دور على شغل وأشتغلة، على الأقل سهل تلاقي حارس امن ولا أي حاجه، بدل الذل والمرمطة اللي بشوفها كل يوم علشان الاقي شغل ومش بلاقي.”
لم يحتمل كلماتها، ارتفعت يده سريعًا، وفي لحظة هبطت صفعة قوية على وجهها جعلت رأسها يميل إلى الجانب. دوى الصوت داخل الغرفة، وشعرت بحرارة الصفعة تحرق خدها بينما قال بغضب مشتعل:
“اخرسي، عايزاني أنا انزل اشتغل حارس امن؟! وبعدين، انتي مبتعمليش عمل بطولي، ما أنا صرفت عليكي كتير لما كان معايا فلوس، انتي بتردي ليا دين قديم عليكي.”
رفعت يدها ببطء إلى خدها الذي اشتعل ألمًا، وعيناها تنظران إليه بعدم تصديق، كانت الكلمات تتزاحم في حلقها، لكنها ابتلعتها بصعوبة، فهي تعلم جيدًا أن أي رد آخر سيشعل غضبه أكثر ويجعل الأمور أسوأ.
حركت رأسها بصمت مستسلم، ثم قالت بصوت مختنق يكاد ينكسر:
“تمام يا بابا أنا اسفه، هقوم اغير هدومي وانزل ادور على شغل، وانا راجعه هتصرف واجبلك علبة سجاير.”
ابتعد عنها قليلًا وكأن الأمر انتهى بالنسبة له، ثم قال بلهجة آمرة:
“قومي الاول حضري الفطار.”
خرج من الغرفة تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، ظلت عهد تنظر إلى الباب الذي أغلقه خلفه، وعيناها تمتلئان بكره وغضب مكتومين، للحظة شعرت أن قلبها يختنق داخل صدرها، لكنها أجبرت نفسها على النهوض.
تحركت نحو المطبخ ببطء، وأعدت الطعام بصمت تام، وكأنها آلة تؤدي ما يطلب منها بلا روح، بعد أن انتهت، عادت إلى غرفتها الصغيرة.
جلست على السرير، وضمت قدميها إلى صدرها، وأسندت رأسها عليهما. بقيت تحدق في الفراغ أمامها طويلًا، وعيناها ممتلئتان بدموع متجمدة ترفض السقوط.
كانت لا تعلم ماذا تفعل، ولا إلى أين تمضي حياتها.
لكن شيئًا واحدًا فقط كان واضحًا داخل قلبها.