رواية جديدة جدا 2
سقط الهاتف من يد رياض، وارتطم بالأرض، بينما خرج صوته متقطعًا، ضعيفًا على غير عادته:
“ل ليه؟”
اقترب أسر منه بخطوات محسوبة، حتى وقف أمامه مباشرة، وتحدث بنبرة غاضبة تخفي شماتة عميقة:
“علشان كنت متوقع الغدر من بنتك، علشان أنت معرفتش تربي يا رياض باشا.”
كانت الكلمات كفيلة بأن تطيح بما تبقى من تماسكه.
استقام أسر بجسده، سوى سترته، وارتسمت على وجهه ابتسامة شامتة، ثم استدار وغادر المكان بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه رجلًا خسر إمبراطوريته في ليلة واحدة.
تدريجيًا، انفض الجميع، خفتت الموسيقى، انطفأت الأضواء واحدة تلو الأخرى، كما لو أن الفرح ذاته لم يكن سوى وهم عابر.
جلس رياض على أقرب مقعد، يحدق في الفراغ، كانت الضوضاء في رأسه أعلى من أي موسيقى. مد يده المرتعشة إلى ربطة عنقه، وبدأ يفكها بعنف وهو يشعر بالاختناق، كأن شيئًا يضغط على صدره بقسوة.
تنفسه صار أثقل.
نظر حوله إلى القاعة التي كانت قبل دقائق تضج بالحياة، فإذا بها الآن باردة، خالية، كأنها تسخر منه.
ازدادت ضربات قلبه اضطرابًا، وتشوش بصره، حاول أن يتمسك بطرف الطاولة ليستند، لكن جسده خانه.
مال إلى الخلف، وسقط.
غاب الوعي عنه، وساد المكان صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صدى ليلة بدأت بزغاريد، وانتهت بانهيار كامل.
************************
“الفصل السابع”
بعد مرور عدة أعوام…
استيقظ همام على صوت طفولي دافئ، صوت لا يعرف في هذا العالم سوى أب احتمى به من جرح قديم ما زال ينزف في صمت، وأم تعشق قلبًا لم يكن يومًا لها إلا بحكم القدر.
“بابي، بابي، اصحى يلا.”
فتح عينيه ببطء، كأنهما مثقلتان بحلم لم يكتمل، كانت آثار دمعة لم تجف بعد مرسومة على وجنته، وابتسامة مكسورة تستقر فوق شفتيه. اعتدل في جلسته، ومد ذراعيه إليها، فصعدت فوق قدميه بخفة، فقبل وجنتها الناعمة برفق بالغ، وقال:
“صباح الورد يا قلب بابي.”
ضحكت ببراءة أذابت ما تبقى من قسوة الليل، وقالت بطفولية محببة إلى قلبه:
“أنا جعانة يا بابي، ومامي مستنياك تصحى، علشان ناكلوا سوا.”
ابتسم لها بنبرة مازحة يخفي بها شيئًا أعمق:
“يا روح بابي حقك عليا، هقوم أغسل وشي وأجي وراكي على طول.”
أنزلها برفق إلى الأرض، وربت على شعرها، ثم قال:
“يلا روحي قولي لمامي تحضر الفطار.”
أومأت برأسها الصغيرة وركضت خارج الغرفة، تاركة خلفها دفئًا قصير العمر.
ظل ينظر إلى أثرها لحظة طويلة، وابتسامته تذبل شيئًا فشيئًا. عاد إليه الحلم، نفس الحلم الذي يزوره بين الحين والآخر كندبة تفتح من جديد. كانت تضحك مثل ملاك، تقفز حوله كطفلة، ثم ترتمي في أحضانه كما لو كانت تخشى أن يختفي. كان يحتضنها بقوة مبالغ فيها، كأنه يعلم في أعماقه أنها مجرد حلم، وأنها ستفلت من بين ذراعيه في أي لحظة، كما فعلت يومًا.
أغمض عينيه سريعًا، قبل أن تخونه دمعة أخرى.
نهض من فراشه، واتجه إلى المرحاض. نزع ملابسه، وترك الماء ينساب فوق جسده، لعله يغسل شيئًا من ثقل الذكريات العالقة بروحه. لكنه كان يعلم أن بعض الأوجاع لا تغسل.
خرج، ارتدى ملابسه بعناية، ثم هبط إلى الأسفل.
كانت المائدة معدة، ولانا تجلس بجوار ابنتهما تنتظره. حين رأته، ابتسمت ابتسامة امرأة تحاول أن تصنع من العدم حياة كاملة.
اقترب منهما، قبل رأس زوجته في هدوء، ثم حمل ابنته وأجلسها على قدميه، وقال بصوت ثابت:
“صباح الخير يا لانا.”
ابتسمت له بحب صادق وقالت:
“صباح النور همام.”
بدأ يطعم طفلته بيده، يلاعبها، يضحك لضحكاتها الصغيرة. كان يبدو أبًا سعيدًا، وكان كذلك فعلًا، لكن بينما انشغل بروفان، لمح ظل ألم يمر على وجه لانا سريعًا، كغيمة حاولت الاختباء.
توقف، ونظر إليها بقلق حقيقي:
“مالك يا لانا، انتي تعبانه؟”
أومأت برأسها قليلًا وقالت بألم خافت:
“مش عارفه همام، حاسة بوجع شويه هنا.”
وأشارت إلى معدتها.
اعتدل في جلسته فورًا، وصوته يسبق تفكيره:
“أنا هتصل بالدكتور.”
هزت رأسها برفض لطيف:
“لا همام، مش مستاهلة، شوية وجع بسيط، وهيروح كمان شوية، دي مش أول مرة أحس بي.”
نظر إليها نظرة مطولة، لم تعجبه جملتها الأخيرة، وقال بضيق واضح:
“ولما انتي حسيتي بالوجع ده قبل كده مقولتيش ليه؟”
ابتسمت له ابتسامة عاشقة، تحمل امتنانًا وحبًا وشيئًا من الاستسلام:
“همام، أنا مش عايزة اعطلك، أنت شايل شغل الشركة كلها لوحدك، وأنا باخد مسكن وبيروح الوجع مش بحس بي.”
تنفس بعمق، وأمسك يدها بين كفيه، وقال بنبرة دافئة صادقة:
“لانا، أنا مافيش حاجه فى الدنيا تعطلني عنك، إنتي مراتي، وأم بنتي، وقفتي جنبي كتير أوي لما جيت هنا البلد، وبسببك بقيت أب لأجمل بنوته، علشان كده لو هديكي عمري كله مش خسارة فيكي.”
أطرقت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه، وفيهما رجاء امرأة تعبت من الانتظار. قبلت يده بحب، وقالت بصوت يوشك أن ينكسر:
“أنا مش عايزة حاجه همام، غير انك تحبني، نفسي اشوف حبي فى عيونك، أنا عارفه أن الحب مش بأيدينا، بس انا بعشقك، ونفسي تحبني.”
انخفضت عيناه إلى الأرض. لم يكن في ملامحه قسوة، بل عجز، وقبل أن يتكلم، تابعت هي بسرعة خجولة:
“أنا مش قصدي اوجعك همام، أنا بس بقولك اللي فى قلبي.”
رفع بصره إليها، وابتسم ابتسامة رجل يعتذر عن شيء لا يملكه، وقال:
“أنا آسف يا لانا.”
كلمتان فقط.
نهض بعدها بهدوء، ووضع ابنته على المقعد بجوار أمها، ثم غادر المكان بخطوات صامتة، لكنها مثقلة بما لم يقل.
تبعته لانا بنظرة طويلة، حزينة، ثم أعادت بصرها إلى طفلتها. رسمت على وجهها ابتسامة متعبة وقالت برقة:
“روفان حبيبة مامي، كلي يا عمري.”
وبينما كانت تطعمها، كان الألم يزداد في صدرها، قبل معدتها.
************************
في مكان آخر…
استيقظت بعينين متورمتين من أثر حلم كان أجمل من أن يطول، وأقسى من أن ينسى، ابتسامة حزينة مرت على شفتيها وهي تتذكر كيف كانت تحتضن همام داخل الحلم، تتمسك به بقوة كأنها تخشى أن يفلت من بين ذراعيها، كما فعل في الحقيقة.
زفرت تنهيدة حارة، ثم نهضت من فوق سريرها المتهالك الذي يشبه حالها؛ ثابت من الخارج، محطم من الداخل.
خرجت من غرفتها، فاستقبلتها رائحة الرطوبة وجدران متشققة تحمل آثار أيام كانت مختلفة، كان والدها يجلس على أريكة قديمة، ينظر أمامه بشرود مصطنع، رمقته بنفس النظرة التي أصبحت تسكن عينيها منذ تلك اللحظة، لحظة الانكسار الكبرى.
لم تقل شيئًا، دخلت الحمام، وبعد وقت خرجت، ارتدت ملابسها البسيطة، واتجهت نحو الباب.
وقبل أن تفتحه، جاءها صوته، متعالي كما كان دائمًا، وكأن الزمن لم يسقط عنه شيئًا:
“عايز فلوس، وكمان وانتي راجعه من الشغل هاتي معاكي علبتين سجاير.”
أغمضت عينيها لثواني، ثم التفتت إليه بضيق مكتوم وقالت بصوت مختنق:
“مش معايا فلوس، المرتب خلص واحنا لسه فى أول الشهر بسبب السجاير بتاعتك، غاليه اوي، حاول تغير النوع ده، علشان يتبقى فلوس للأكل، أنا مستلفة من اصحابي كلهم، ومحدش راضي يديني فلوس تاني.”
نهض فجأة، وفي لحظة عاد الرجل الذي لا يعترف بالهزيمة، أمسك شعرها بعنف، وصوته يعلو فوق فقر الجدران:
“انتي هتذليني بالقرشين بتوعك، ما أنا يا اما كنت بصرف عليكي بالملايين، عايزة ده يا بابي اجيب عايزة اسافر هنا اسفرك، متنسيش أننا وصلنا للحال ده بسببك، عاملة شبه القطط تاكلي وتنكري.”
لم تصرخ لم تبكي، فقط نظرت إليه بوجع أعمق من الألم الجسدي، وقالت بصوت مرتجف:
“مش كل شويه تقولي الكلمتين دول، أنا كنت باخد حق شغلي معاك من وانا لسه بدرس، ولما كنت بسافر، ده علشان اخلص شغل بره، يعني مكنتش بسافر رفاهية، زي ما بتقول، واللي احنا وصلنا ليه ده انت السبب فيه مش انا، جشعك وطمعك فى الفلوس خلاك كنت هتبعني، وخسرتني الراجل الوحيد اللي دخل قلبي.”
توقفت لحظة، سحبت نفسًا عميقًا، وأخرجته ببطء كأنها تفرغ معه ما تبقى من مقاومة.
“عموما، بلاش نفتح فى القديم، واللي احنا فيه ده اولا واخيرا ده نصيب مقدر ومكتوب، أنا ماشيه وهجبلك اللي انت عايزه وانا راجعه.”
فتحت الباب وخرجت، أغلقته خلفها برفق هذه المرة، وأسندت ظهرها إليه. صدرها يعلو ويهبط بصعوبة، ودموعها تحاول أن تتمرد، لكنها شددت على نفسها.
لقد أخذت عهدًا على نفسها ألا تبكي بعد اليوم.
استنزفت دموعها في ليلة واحدة، يوم رحيله.
هبطت إلى الأسفل، واتجهت إلى موقف الحافلات. وقفت تنتظر وسط الزحام، وجهها شاحب لكن ثابت. وعندما وصل الباص، تدافع الجميع نحوه، وصعدت بصعوبة، وظلت واقفة حتى وصلت محطتها.
نزلت، واتجهت إلى المبنى الذي صار ملاذها الوحيد، ابتسمت للحارس ابتسامة باهتة، ثم دخلت غرفة تبديل الملابس. خلعت ثقل حياتها للحظات، وارتدت الزي الرسمي.
خرجت إلى القاعة الصغيرة، وما إن رآها الأطفال حتى التفوا حولها كأنها شمسهم اليومية.
ابتسمت هذه المرة بصدق، وانحنت قليلًا وهي تقول بسعادة:
“وحشتوني يا حبايب قلبي.”
قالت طفلة صغيرة بشكوى بريئة:
“أبلة عهد عمر ضربني وانا قولتلة مش هكلمك وهشتكي لابلة عهد.”
انخفضت إلى مستواها، ولمست وجنتها بحنان:
“شطوره يا دودي، البنات الحلوة متمدش ايديها على حد، وتشتكي للاكبر منها، وانا هخلي عمر ميقربش منك، يلا روحي ألعبي.”
ركضت الطفلة بضحكة عالية.
رفعت عهد رأسها نحو عمر، ونظرت إليه بعتاب هادئ:
“عمر بتضرب أختك دارين ليه؟ مش احنا قولنا نبقى لطاف مع كل الموجودين، ومنمدش أيدينا على حد.”
قال بمشاغبة طفولية:
“ايوه ضربتها، علشان بت مستفزة، بتاخد الحاجه الحلوة بتاعتي.”
هذه المرة كان صوتها أكثر حزمًا، لكن ظل الحنان حاضرًا: