رواية جديدة جدا 2
مال برأسه قليلًا، ثم استقام.
حمل الحقائب الخاصة بهم، خرج إلى الخارج، وضعها في السيارة.
عاد إلى الداخل مرة أخيرة، نظر حوله، بيت احتضنه في ضعفه، وشهد فقده، وها هو يغادره.
حمل روفان على ذراعه، خرج، وأغلق الباب خلفه.
وضعها على المقعد الخلفي، ربط لها الحزام بنفسه، قبل خدها.
ثم استدار، جلس خلف المقود.
أدار السيارة.
انطلقت بهما نحو المطار.
كان الطريق طويلًا، والعودة أطول.
لم يكن يعلم أن الوطن الذي يهرب إليه الآن، يخبئ له مواجهة لم يحسمها قلبه بعد.
**********************
بمصر…
استيقظت عهد من نومها ودقات قلبها سريعة بشكل غير مفهوم.
لم ترى كابوسًا واضحًا، لكنها استيقظت وكأن شيئًا ما يحدث، أو سيحدث.
اعتدلت على فراشها، أرجعت شعرها للخلف، وزفرت بضيق.
يوم جديد يضاف إلى معاناتها.
أب سيطالبها بمال ليس معها، طلبات لا تنتهي.
وحياة تحملها فوق طاقتها دون رحمة.
أغلقت عينيها لثواني، تستجمع بقايا قوتها، ثم نهضت.
خرجت من غرفتها، فوجدت والدها يجلس كما هو كل صباح، السيجارة بين أصابعه، والدخان يملأ المكان، والفوضى تحيط به من كل جانب.
أغمضت عينيها بألم، ثم قالت بصوت مختنق:
“يا بابا أنا مش لسه منضفه المكان ده امبارح! عندك الطفاية طفي فيها السجاير بتاعتك، أنا برجع من الشغل هلكانة، حرام عليك بقى.”
نظر لها بعدم اكتراث، وألقى السيجارة أرضًا بلا مبالاة، ثم نهض قائلًا بصوت غليظ:
“غوري حضري الفطار، بسرعة.”
نظرت إلى ساعة يدها.
الوقت يداهمها، لكن الرفض ليس خيارًا.
تحركت إلى المطبخ، الأطباق المتسخة مبعثرة في كل مكان، بقايا طعام، ماء راكد في الحوض، ورائحة خانقة.
أغلقت عينيها بنفاد صبر، ثم بدأت تعمل بصمت.
حضرت له الطعام، وضعته أمامه، ثم عادت سريعًا ترتب وتنظف وكأنها في سباق مع الزمن.
بعد أن انتهت، اتجهت إلى غرفتها، بدلت ملابسها بسرعة، أمسكت حقيبتها وخرجت مسرعة.
لكن صوته الغليظ أوقفها عند الباب:
“هاتي فلوس، عايز اشتري سجاير.”
تجمدت لحظة، ثم زفرت بضيق، فتحت حقيبتها، وأخرجت بعض النقود وأعطتها له، وقالت بصوت مختنق:
“حاول تقلل سجاير شوية، انا مبقاش معايا فلوس لكمية بتاعتك دي.”
لم يرد، أنهت كلامها وخرجت، أغلقت الباب خلفها بقوة خفيفة تعكس ما بداخلها، ثم ركضت إلى الأسفل.
نظرت إلى ساعتها، تأخرت.
أوقفت سيارة أجرة، صعدت بسرعة وقالت بترجي:
“بسرعه ارجوك، متأخرة على الشغل.”
انطلقت السيارة بها، وقلبها يخفق بتوتر.
وصلت أخيرًا، دفعت الأجرة، وركضت إلى الداخل.
استقبلها الأطفال بابتساماتهم المشرقة، الابتسامة الوحيدة الصادقة في يومها.
توجهت إلى المديرة، وقالت بأسف:
“أنا اسفه حضرتك، المواصلات زحمة واتأخرت بسببها.”
نظرت لها المديرة بغضب، وقالت بنبرة حازمة:
“انسه عهد دي مش اول مرة تتأخري، وكل مرة تقولي كذبة شكل، وانا الوضع ده مينفعش معايا.”
اتسعت عيناها بصدمة، واقتربت خطوة للأمام:
“أنا اسفه والله أول وآخر مرة مش هتأخر تاني.”
هزت المديرة رأسها بالرفض:
“أنا اسفه، اتفضلي من غير مطرود.”
كلمة واحدة، وقعت عليها كحكم نهائي.
ابتلعت غصة في حلقها، أومأت برأسها، وغادرت المكان بنفس مكسورة.
خرجت إلى الشارع، الناس تمشي من حولها، السيارات تمر، الحياة تسير كأن شيئًا لم يحدث.
لكن عالمها توقف للتو، ظلت تتجول بلا وجهة.
الأفكار تتزاحم في رأسها:
الإيجار، طلبات والدها، الطعام، الكهرباء، من أين ستأتي بالمال؟
حركت رأسها بهستيرية خفيفة، كأنها ترفض التصديق.
جلست على أول مقعد وجدته.
السماء فوقها واسعة، لكنها تشعر بالاختناق، تذكرت همام.
تمنت لو كان معها الآن.
لو كان بجوارها، لخفف عنها، لاحتواها، لقال لها كلمته المعتادة:
“أنا معاكي.”
لكن هو لم يعد جزءًا من حياتها.
رفعت رأسها إلى السماء، دعت ربها بصوت لا يسمع، تطلب مخرجًا، تطلب رحمة، تطلب أي يد تمتد لها.
ظلت هكذا قليلًا، ثم نهضت.
عادت إلى المنزل بخطوات ثقيلة.
فتحت الباب، لم تجد والدها.
الصمت يملأ المكان.
اتجهت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها، ارتمت على سريرها، وثبتت نظرها في السقف.
من الخارج، هدوء تام، من الداخل، فوضى لا تهدأ.
*************************