رواية جديدة جدا 2

احتياجها الشديد إلى همام.
بمجرد أن مر اسمه في خاطرها، هربت دمعة متمردة من عينيها دون إذن، مسحتها بسرعة بعصبية، ثم هزت رأسها برفض قاطع وقالت بعناد:
“لا، مش هسمح لدموعي تنزل مهما حصل.”
وفي تلك اللحظة أعلن هاتفها عن وجود اتصال، نظرت إليه بتعب، لتجد اسم صديقتها ريم يضيء الشاشة. تنهدت بوجع قبل أن تجيب بصوت مختنق:
“عاملة ايه يا ريم؟”
أجابتها ريم بصوت هادئ:
“الحمدالله يا حبيبتي، طمنيني عليكي عاملة ايه؟”
تنهدت عهد بوجع واضح، وكأن الكلمات تخرج من صدر مثقل بالهموم، وقالت بصوت مختنق:
“هكون عاملة ايه يا ريم؟ الدنيا ملطشة معايا اوي، مش لاقيه شغل نهائي، وبابا كل يوم يمد ايده عليا، علشان عايز سجاير و فلوس، والراجل صاحب الشقة كل يوم والتاني يجي يوقف لينا على الايجار عايزه، والبيت مافيش فيه أكل، مش عارفة اعمل ايه يا ريم تعبت والله.”
لم تتركها ريم تكمل انهيارها، بل قالت بسرعة وكأنها تحمل لها طوق نجاة:
“بنت حلال ربنا بيحبك، عندي ليكي شغل.”
رفعت عهد رأسها فجأة، وكأن بصيص أمل صغير أضاء داخل الظلام، قالت بسرعة ولهفة:
“بجد يا ريم، هاتي العنوان بسرعه.”
تنحنحت ريم قليلًا بتوتر قبل أن تقول:
“طيب مش تعرفي ايه هي الشغلانه الاول.”
تنهدت عهد بوجع وقالت باستسلام:
“مش فارقة يا ريم، أي حاجه هشتغالها.”
أجابت ريم موضحة:
“فيه بنت راجل غني اوي، مامتها متوفيه، كانت اجنبيه، باباها جابها هنا، بس عمر، انتي عارفه مشاغب ازاي، قعد كل شوية يضربها ويغلس عليها وهي البنت بسكوتاية اوي ورقيقه، وشكل باباها بيخاف عليها اوي، وفى البيت مافيش معاها غير جدتها ست كبيره، المديرة اقترحت عليه يجيب ليها بيبي سيتر، تهتم بيها اكتر فى البيت، وتبقى ملازماها فى كل مكان، وافق على كلامها وطلب منها واحده تكون أمينة، أنا بقى اول ما سمعت الكلام ده قولتله عندي واحده امينه جدا والأطفال بتحبها على طول، وطلب أنه يقابلك.”
ساد الصمت للحظة، شعرت عهد أن القدر يسخر منها مرة أخرى، ابتسمت بسخرية مريرة وقالت:
“جايه فى وقتها، لسه قايلي كده، اشتغلي خدامة فى البيوت.”
ردت ريم بسرعة محاولة طمأنتها:
“لا لا، مسمهاش خدامة، ده غني اوي، واكيد جايب ناس تانيه لبيته، انتي مشوفتيش شكله ولا شكل عربيته ولا الحرس اللي بيجوا مع بنته كل يوم، انتي هتهتمي بالبنت بس، زي ما كنتي بتعملي هنا مع الاطفال، وانتي اصلا بتحبي الاطفال اوي وهما بيحبوكي، كفايه انك هتترحمي من ابوكي وضربه فيكي وهتبقى عايشه مع البنت على طول، لانه عايزها بدوام كامل.”
زفرت عهد بضيق وقالت بعد تردد:
“سبيني افكر يا ريم، قرار زي ده صعب عليا شوية، فى الحضانه أنا كنت مدرسة لاطفال كتير، بس بيبي سيتر يعنى هكون خدامة لطفلة واحدة، مهما كانت المسميات.”
أجابت ريم بتفهم:
“ماشي يا عهد، فكري بس متتأخريش عليا، علشان الراجل طالب يقابلك.”
أغلقت المكالمة بعدها، وعادت الغرفة إلى صمتها الثقيل.
نظرت عهد أمامها طويلًا، وابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها، ثم قالت بصوت خافت وكأنها تخاطب الدنيا نفسها:
“ناوية تخديني على فين تاني يا دنيا؟ مشبعتيش ذل وكسر فيا؟”
وبقيت على وضعها، تحدق في الفراغ بصمت تام، بينما الدموع داخل عينيها تأبى الهطول، كأنها سجينة داخل قفص زجاجي لا يسمح لها بالسقوط.
************************
داخل فيلا فخمة يطغى عليها الذوق الراقي، هبط همام من أعلى الدرج بخطوات ثابتة، كان جسده عريضًا، وملامحه جادة حازمة توحي بالهيبة. اتجه نحو طاولة الطعام، فانحنى قليلًا يقبل رأس والدته، ثم حمل ابنته الصغيرة وأجلسها على ساقه، وقبل وجنتها بحب وهو يقول:
“صباح الخير يا أمي، صباح الورد يا روفا.”
ابتسمت حليمة ابتسامة حنونة وقالت:
“صباح النور يا حبيبي.”
أما روفان فعبست بوجهها الصغير وقالت بتذمر طفولي:
“أنا زعلانة منك ومخصماك يا بابي.”
ابتسم على تذمرها وسألها بحنان:
“حبيبة بابي زعلانة منه ليه بس؟ أنا مقدرش على زعلك يا أحلى روفا.”
قالت بضيق وهي تعقد حاجبيها:
“علشان إنت قولت هتخرجني ونروح الملاهي، وضحكت عليا! على طول في الشغل وسايبني لوحدي.”
ضمها إليه وقبل رأسها بحب، ثم قال بنبرة معتذرة:
“أنا آسف يا روح بابي، بس غصب عني والله، تأسيس الشركة الجديدة واخد كل وقتي. بس أوعدك أول ما أخلص من افتتاحها، هزهقك خروجات.”
عقدت ذراعيها الصغيرتين على صدرها بتذمر طفولي وقالت:
“هفضل مخصماك ومش هكلمك غير لما تخرجني.”
تدخلت حليمة بنبرة حنونة قائلة:
“روفا قلب تيته، بلاش تتعبي بابا، هو غصب عنه مشغول.”
نزلت روفان من على ساقه وقفزت إلى الأرض، ثم قالت بصوت مكسور:
“أنا عايزة مامي، هي على طول كانت بتاخدني الملاهي، أنا عايزة مامي.”
أنهت كلماتها ببكاء وركضت مسرعة نحو غرفتها.
تابعها همام بنظرة حزينة، ثم قال بصوت مختنق:
“لانا كانت شايلة كتير أوي عني يا أمي، كانت تربية روفان عليها، كانت مسؤولة عنها في كل حاجة.”
ربتت حليمة على يده بحنان وقالت:
“معلش يا حبيبي، الأطفال كلها كده، معندهاش دراية بالضغوط ولا الشغل. عايزين لعب وخروج بس، ودي تبقى مهمة الأم أكتر من الأب، علشان كده مكنتش حاسس بكل ده لما كانت مراتك عايشة. سيبها بس، وأنا هطيب خاطرها بكلمتين.”
زفر همام بضيق وقال:
“مش كانت سميحة جات عاشت معانا هنا هي وجوزها وعيالها؟ كانت ساعدتني شوية في تربيتها.”
أجابته موضحة:
“ما أنت عارف جوزها يا همام، ابن خالتك نفسه عزيزة، مرضاش ييجي معانا هنا وقال مش هيسيب شقته ملكه في بيت أهله ويقعد عند حد.”
حرك رأسه بنفاد صبر وقال:
“دماغه ناشفة وعايزة كسرها، حتى في الشغل، مش راضي ياخد زيادة عن الموظفين، بيقولي ياخد زيهم، ونفصل في الشغل موضوع القرابة ده.”
ابتسمت حليمة بسعادة وقالت:
“ربنا يبارك فيه، جدع وراجل وطيب. شالني فوق راسه من يوم ما سيبتني عنده وسافرت.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *