رواية جديدة جدا 2

“الفصل الثامن”
فلاش باك…
في يوم ملبد بالغيوم، كانت السماء كأنها تشاركه انكساره، هبطت طائرة همام على أرض الإمارات، لم يكن الهبوط انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل كان سقوطًا داخليًا لرجل ترك خلفه قلبًا لم يندمل جرحه.
نزل من الطائرة بخطوات ثقيلة، كأن الأرض الجديدة لا تعرفه ولا يريد أن يعرفها.
جلس على أحد المقاعد في صالة الوصول، حقيبته إلى جواره، وعيناه تائهتان بين الوجوه المسرعة.
الناس من حوله يمضون إلى وجهاتهم بثقة، أما هو فكان يشعر أنه بلا وجهة.
لم يكن ينتظر الكفيل فقط، كان ينتظر أن تهدأ الفوضى في صدره.
الدموع احتبست في عينيه، تلمع ولا تسقط.
كرامته أبت أن تسمح لها بالانحدار.
كان الجرح طازجًا، والكلمات التي قيلت له قبل سفره ما تزال تصفع ذاكرته بلا رحمة.
وصل الكفيل بعد وقت بدا أطول من العمر ذاته، أخذه إلى السكن المخصص للمغتربين.
غرفة ضيقة، وجوه غريبة، لهجات متعددة، وضجيج لا ينقطع.
حاول أن يتأقلم، أن يندمج، أن يصمت.
لكن ضجيج رأسه كان أعلى من كل شيء.
كل كلمة قالتها له عهد كانت تعاد في داخله آلاف المرات، كأنها تسجيل لا يتوقف.
كان يعمل طوال النهار في أحد المطاعم، يعود مساءً إلى سريره الصلب، يغمض عينيه لا لينام، بل ليهرب.
إلى أن جاءت هي.
كانت لانا، فتاة ذات أصول بلجيكية، تجلس في المطعم ذات مساء.
طلبت شيئًا من النادل، وحين جاءها الطلب مختلفًا تمامًا عما أرادت، بدأت تتحدث بلغتها بانفعال واضح.
تدخل همام، بصمته المعتاد ونبرته المتزنة، احتوى الموقف، صحح الخطأ، ولبى لها ما أرادت دون أن يرفع عينيه إليها طويلًا.
لكنها هي رفعت عينيها إليه.
ومنذ تلك اللحظة، تغير شيء ما في داخلها.
غادرت في ذلك اليوم، غير أنها لم تغادر اهتمامها به.
صارت تتردد على المطعم مرارًا، تطلبه بالاسم.
الجميع لاحظ ذلك، إلا هو.
كان حين يراها ينشغل بطبق هنا، أو طلب هناك.
لا يطيل النظر، لا يبتسم، لا يمنحها شيئًا.
وكأن تجاهله لها كان الوقود الذي أشعل تعلقها أكثر.
وفي أحد الأيام، حين جاء يضع أمامها الطعام، فاجأته بأن أمسكت يده برفق، وقالت بعربية مكسرة:
“همام، ممكن اتكلم شويه معاك.”
نظر إليها باستغراب، وقال بتساؤل:
“انتي بتتكلمي عربي؟”
أومأت برأسها وقالت بتوضيح:
“ايوه مامي مصريه، وبابي بلجيكي، علشان كده بعرف اتكلم عربي شويه.”
أومأ رأسه لها، وتكلم بنبرة جادة:
“تمام وايه المطلوب مني حضرتك؟”
ردت عليه وقالت:
“اقعد اتكلم معاك شويه.”
حرك رأسه بالرفض وقال:
“مش هينفع، هنا أكل عيشي وممنوع اقعد مع الزباين.”
أخرجت كارتًا من حقيبة يدها وأعطته له وقالت:
“اوك، ده الكارت بتاعي، ممكن تكلمني، أنا هسافر النهاردة بليل.”
نظر لها بضيق وقال:
“ربنا يسهل عن اذنك.”
تحرك من أمامها وتركها تنظر إلى أثره بإعجاب لم تحاول إخفاءه.
عاد إلى السكن مساءً، ألقى بالكارت إلى جوار سريره بإهمال، كأنه يلقي احتمالًا لا يريد التفكير فيه.
لم يتصل بها، لم يفكر حتى في ذلك.
وظل الوضع على حاله، حتى تفاجأ بها ذات يوم تجلس أمامه في المطعم.
نظر لها بضيق وقال:
“انتي! وصلتي هنا امتى؟”
إجابته بعتاب وقالت:
“لسه واصلة هنا الصبح، استنيت اتصالك كتير.”
زفر بضيق وتكلم بنبرة غاضبة:
“انتي عايزة مني ايه؟”
نظرت له وتكلمت بهدوء:
“عايزاك تيجي تشتغل عندي فى الشركه، واضح ان دي مش شغلتك.”
رد عليها بغضب وقال:
“ومين قالك أن أنا عايز اشتغل فى شركات؟ أنا مرتاح هنا، وارجوكي ملكيش دعوة بيا، عندك غيري هنا كتير، إنما أنا لا.”
أنهى كلامه وابتعد عنها وتركها.
بقيت تنظر إلى أثره طويلًا، حزن صامت في عينيها، ثم غادرت المكان.
واختفت.
مرت الأيام ثقيلة.
ثم جاء الإعلان الذي لم يكن يتوقعه،
إغلاق المطعم بسبب تراكم الديون.
وجد نفسه فجأة بلا عمل، بلا دخل، وبلا خطة.
طرق أبوابًا كثيرة، ولم تفتح له.
وفي إحدى الليالي، جلس على سريره، يتأمل السقف، حين تذكر الكارت.
بحث عنه بين أشيائه، حتى وجده.
تردد طويلًا، ثم أمسك الهاتف.
أجرى الاتصال، جاءه صوتها أولًا بلغتها، متسائلًا، ثم حين سمعت صوته، تغير كل شيء في نبرتها.
تعالت دقات قلبها بسعادة وقالت:
“همام انا مش مصدقه نفسي.”
تنحنح برجولية وتكلم بأحراج:
“عرض الشغل لسه موجود؟”
لم تغضب من بروده، لم تعاتبه على تأخره، بل أجابت فورًا، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال تحديدًا:
“ايوه طبعا، هعملك الفيزا واخلص اوراقك وهبعتها ليك تيجي على طول.”
تكلم بتوضيح وقال:
“هبعتلك العنوان فين بالظبط.”
ابتسمت بسعادة وقالت:
“مش محتاجه، أنا عارفه انت عايش فين همام.”
توقفت عيناه عند جملتها لحظة.
كان في الأمر ما يثير الاستغراب، لكنه ابتلع سؤاله.
لم يكن يملك رفاهية الشك الآن.
هو يحتاج عملًا. يحتاج مالًا. يحتاج إلى فرصة يثبت بها أنه لم يكسر.
وبالفعل، تمت الإجراءات.
غادر الإمارات هذه المرة لا هاربًا، بل باحثًا عن بداية جديدة.
حين هبطت الطائرة في بلجيكا، لم يشعر همام بالحماس الذي يشعر به المسافرون عادةً وهم يعبرون بوابة جديدة في حياتهم.
كان داخله خليطًا من الحذر والترقب، كأنه يدخل أرضًا لا يعرف هل ستحتويه أم تبتلعه.
الهواء كان مختلفًا، باردًا، رطبًا، يحمل رائحة مطر قديم وحجارة عتيقة.
المطار واسع، أنيق، منظم بصورة تكاد تخنقه؛ كل شيء يسير وفق قواعد واضحة، على عكس الفوضى التي تعيش داخله.
كانت لانا في انتظاره.
لم تكتفي بأن ترسل سائقًا أو موظفًا من الشركة.
وقفت بنفسها عند بوابة الوصول، عيناها تبحثان عنه بين الوجوه.
وحين وقع بصرها عليه، لم تستطع إخفاء ابتسامتها.
اقتربت منه بخطوات سريعة، ودقات قلبها تسبقها، أوصلته إلى شقة صغيرة مفروشة بعناية.
ليست فاخرة بشكل مبالغ فيه، لكنها نظيفة، دافئة، مرتبة، مختلفة تمامًا عن غرفته القديمة المزدحمة.
وفي صباح أول يوم عمل، حين دخل مبنى الشركة، توقف لحظة عند الباب الزجاجي الواسع.
تصميم حديث، خطوط هندسية حادة، أرضيات لامعة، مكاتب مرتبة بعناية.
مكان يعكس قوة ونفوذ.
شعر للحظة أنه لا ينتمي إلى هذا المشهد، ثم تذكر لماذا جاء.
بدأ العمل، ومنذ اليوم الأول، أثبت أنه ليس مجرد موظف عابر.
كان دقيقًا، ملتزمًا، ينجز ما يطلب منه بأكثر مما هو متوقع.
لا يختلط كثيرًا، لا يمازح، لا يفتح قلبه لأحد.
ولانا، كانت تراقب.
في الاجتماعات، كانت تترك مقعدها الرسمي أحيانًا لتقف جواره بحجة شرح نقطة ما.
تسأله عن رأيه، تستشيره في تفاصيل لا تسأل فيها غيره.
تمر على مكتبه أكثر من مرة يوميًا.
في البداية ظنها مجرد متابعة إدارية.
لكن مع الوقت، أدرك أن الأمر يتجاوز ذلك، نظراتها تطول، صوتها يلين حين تنادي اسمه.
ابتسامتها لا تشبه ابتسامتها لبقية الموظفين، لم يعجبه هذا الإحساس.
لم يرد أن يكون مدينًا لأحد عاطفيًا.
وفي أحد الأيام، بعد انتهاء الدوام، حين كانت الشركة شبه خالية، طلب أن يتحدث معها، وقف أمام مكتبها، نبرته جامدة، وعيناه ثابتتان.
سألها بصراحة عن سبب هذا الاهتمام المختلف، لم تتهرب، لم تبتسم كعادتها.
نظرت إليه طويلًا، وكأنها كانت تنتظر أن يسأل، ثم قالت بنبرة عاشقة صريحة:
“همام، أنا بحبك.”
تجمد للحظة، كأن الكلمة صفعة أعادته سنوات إلى الوراء.
وجه آخر، صوت آخر، وعد قديم يتردد في أذنه.
حرك رأسه بالرفض فورًا، وكأن الاعتراف خطر يجب إبعاده، وتكلم بغضب شديد وقال:
“مستحيل ده يحصل، أنا مبحبكيش ولا بحب حد، ابعدي عني ملكيش دعوه بيا فاهمة.”
لم تتركه ينسحب بهذه السهولة.
مدت يدها تمسك بيده، محاولة تهدئته، وتكلمت بنبرة حنونة:
“اهدا همام، أنا متأكدة رفضك ده بسبب واحدة، الحزن اللي فى عيونك وراه واحده، بس انا غيرها، حبيتك من أول لحظة شوفتك فيها فى المطعم، ماليش أي مصلحه غير أن عايزة اعيش مع راجل بجد شبهك، مش بطلب منك تحبني، بس على الاقل اديني فرصة اغير مفهومك عن الحب.”
عيناه اسودتا بالألم، نظر لها بحزن وتكلم بصوت مختنق:
“هي برضه قالتلي زيك، قالتلي انها بتحبني، قالتلي مش فارق معاها ظروفي، بس طلعت كدابه كانت بتلعب بقلبي وراحت اتجوزت واحد من مستواها علشان الفلوس، كلكم زي بعض.”
اقتربت منه أكثر، أمسكت وجهه بيدها، كأنها تريد أن تخرجه من ذكرياته، وقالت:
“أنا كتير كانوا عايزين يتجوزوني، بس ولا واحد فيهم حبني، كله كان طمعان فى فلوسي وشركتي، الا انت يا همام مختلف، مشوفتش فى عيونك نظرة طمع لا فيا ولا فى فلوسي، انت الوحيد اللى هأمن على نفسي معاك، وزي ما قلتلك، كلنا مش زي بعض، مش بطلب منك تحبني دلوقتي بس على الاقل نتجوز وتحميني من اللي عايزين ياكلوني.”
كانت صريحة، مكشوفة، بلا أقنعة، لكنه لم يستطع، حرك رأسه بالرفض وقال:
“أنا اسف مش هقبل عرضك، معنديش مكان فى حياتي ليكي، ولو على شركتك من بكرة هسيبها ليكي.”
الذعر ظهر في عينيها فورًا، تكلمت سريعًا وقالت بترجي:
“لا لا خلاص، بلاش جواز، وانسى الكلام اللي قلته، بس ارجوك خليك معايا فى الشركه.”
وقف ينظر إليها لحظة طويلة، كانت للمرة الأولى لا تبدو صاحبة شركة قوية، بل فتاة تخاف أن تترك وحدها.
أما هو، فكان يشعر أن القدر يضعه مرة أخرى أمام باب اسمه “حب”، وهو لم يلتئم بعد من آخر مرة طرقه.
نظر لها نظرة مطولة، عميقة، وكأن عينيه تبحثان عن شيء بين ما تراه وما يخشاه داخله.
وجدها تنظر له بتوسل، عينان صادقتان، مليئتان بالأمل والقلق معًا.
أومأ برأسه لها برفق، كما لو كان يقر لها بصمت، ثم ابتعد خطوة، وتركها واقفة في مكانها، غادر إلى منزله.
كانت الليالي بعد ذلك مضطربة.
همام يحاول الابتعاد، يحاول حماية قلبه، الذي لم يلتئم بعد من جراح الماضي، ويحاول أن يترك لانا مساحة لتعيش حياتها دون أن يشعر بالارتباط العاطفي الذي يربطه بها.
أما لانا، فكانت تتسلل إلى قلبه بهدوء، تحاول الاقتراب منه، تصنع الفرص، تبتسم، تتحدث، تلمس تفاصيل يومه، كل ذلك بمحبة صافية، بلا تطفل، بلا ضغط.
وفي يوم مشؤوم، حدث ما لم يكن في الحسبان.
تجمعت مجموعة من المجرمين حول لانا، هجموا عليها بلا رحمة، وأصابوها إصابات خطيرة.
كانت لحظة صادمة، صمت العالم حوله، صمت يخترقه صدى صرخات الألم والهلع.
نقلوها سريعًا إلى المستشفى، حيث بقيت هناك لفترة طويلة، تتلقى العلاج، تواجه الألم، وتكافح من أجل الحياة.
خلال تلك الفترة، أخذ همام على عاتقه مسؤولية الشركة بالكامل.
لم يعد مجرد موظف، بل صار اليد الحامية لكل شيء، لكل موظف، ولكل مشروع.
وكانت لانا تتابع عنه وتثق فيه، ومع إلحاحها المستمر، منحته جميع الصلاحيات لحماية شركتها، لحماية نفسها، ولحماية كل ما يخصها من تهديدات محتملة.
وبينما كان همام يدير العمل بكفاءة صارمة، ظهرت مشكلة أخرى:
إقامته كانت مؤقتة، مرتبطة بعقد محدد وبوجودها المباشر على رأس العمل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *