رواية جديدة جدا 2
بالحارة…
وقف همام في منتصف الشقة الخاوية، يتلفت حوله بعينين مثقلتين، كأنه يودع روحًا لا جدرانًا. كانت حقائب السفر مصطفة قرب الباب، شاهدة على قرار اتخذ تحت وطأة الكرامة المكسورة، لا تحت هدوء العقل.
سكنت عيناه على الأريكة الصغيرة في الركن، فداهمته ضحكتها، هنا جلست يومًا تعبث بطرف ثوبها، وهنا وقفت تقسم أنها لن تكون لرجل غيره. في كل زاوية ذكرى لها، وفي كل صمت صدى صوتها.
ارتفعت دقات قلبه بعنف، حتى خيل إليه أن يستمع اضطرابه. حرك رأسه برفض متتابع، كمن يحاول أن ينتزع صورتها من ذاكرته انتزاعًا، أن يسكت ذلك الصوت الذي يهمس باسمه على طريقتها.
“كفاية، كفاية.”
لكن الذكريات لا تطرد بالأوامر.
انتبه إلى صوت والدته من خلفه، صوت مثقل بالحزن، ترتجف فيه أمومة خائفة:
“بلاش تسافر يا ابني وتبعد عن حضني، ويا عالم نتقابل تاني ولا لا.”
استدار إليها ببطء. كانت واقفة عند عتبة الغرفة، عيناها معلقتان به كما لو كانت تحفظ ملامحه، اقترب منها، أمسك يدها وقبلها بحنان موجوع، ثم قال بصوتٍ مختنق:
“بعد الشر عنك يا حبيبتي، ربنا يبارك فى عمرك ويخليكي ليا، مش هقدر يا أمي أعيش على نفس الأرض اللي هي عايشه عليها، هعيش مكسور فيها، خليني اسافر مكان تاني اداوي قلبي اللي اتوجع بسببها.”
شدته إلى صدرها كما كانت تفعل وهو صغير، وكأنها تحاول أن تعيده طفلًا قبل أن يعرف الحب، وقبل أن يعرف الخذلان، تحدثت بصوت أم ينزف على فلذة كبدها:
“يا ضنايا يا ابني، ربنا يريح قلبك يا حبيبي ويرجعك ليا سالم غانم يارب.”
ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ابتسامة رجل يحاول أن يبدو ثابتًا كي لا ينهار بين ذراعي أمه.
“يلا يا امي، علشان اوصلك عند اختي قبل ما أمشي.”
تنهدت بضيق ممزوج بالرفض:
“طيب خليني عايشه فى بيتي يا ابني، أنا أيه بس هيخليني أروح أعيش عند أختك، مش عايزة أكون تقيله على حد.”
أمسك يدها برفق بالغ، وكأنه يخشى أن تنكسر:
“يا حبيبتي مش هينفع اسيبك تعيشي هنا لوحدك، مش هكون مطمن عليكي، أختي هتاخد بالها منك، وجوزها أبن حلال وطيب عمره ما هيزهق منك، إنتي خالته مش حد غريب، يلا يا حبيبتي أمشي.”
نظرت إلى الشقة نظرة أخيرة، نظرة امرأة عاشت عمرها بين هذه الجدران، وربت فيها ولدًا وأبنه كان كل دنياها. مر بصرها على المطبخ الصغير، على الشرفة الضيقة، على سجادة الصلاة في الركن، ثم زفرت زفرة طويلة وخرجت.
حمل همام الحقائب، وأطفأ الأنوار واحدًا تلو الآخر، كل ضغطة زر كانت إعلانًا بإغلاق فصل كامل من حياته. وقف لحظة عند الباب، مفاتيحه بين أصابعه، وتردد.
تخيل للحظة خاطفة، أنها قد تطرق الباب الآن، أن يسمع صوتها تناديه باسمه، لكن الصمت كان سيد المكان.
ابتلع غصته، وأغلق الباب بإحكام.
نزل السلم ببطء، تتبعه والدته بخطوات أثقل من أن تحمل، حين وصلا إلى الشارع، أوقف سيارة أجرة. وضع الحقائب في صندوقها الخلفي، وساعد أمه على الجلوس.
قبل أن يركب، رفع رأسه نحو الشرفة الصغيرة لشقته. بقيت معتمة، ساكنة، كأنها لم تعرف يومًا ضحكة أو وعدًا.
ركب السيارة.
تحركت ببطء خارج الحارة، مبتعدة عن كل شيء عرفه.
وفي الجهة الأخرى، كانت سيارة أخرى تشق طريقها نحوه، تحمل عروسًا هاربة، وقلبًا يسبقها إليه بدقائق معدودة.
***********************
توقفت سيارة الأجرة عند مدخل الحارة، ترجلت عهد منها قبل أن تستقر عجلاتها تمامًا، ودفعت الأجرة بيد مرتجفة دون أن تنتظر الباقي. كان فستانها الأبيض ينساب خلفها كذيل حلم يحتضر، يجذب إليه أعين أهل الحارة الذين تجمعوا على الأبواب والشرفات، يتهامسون بدهشة واستغراب، لم تعبأ.
رفعت طرف فستانها وركضت.
كل خطوة كانت صفعة على قلبها، وكل نبضة تصرخ باسم واحد. وصلت إلى بناية همام، دفعت الباب بلهفة، وصعدت الدرج بسرعة كادت تزل بها. أنفاسها تتقطع، وصدرها يعلو ويهبط بعنف.
وقفت أمام بابه.
الباب الذي وقفت خلفه يومًا تنتظر أن يفتح لها بقلب مفتوح، طرقت.
مرة، مرتين، عشرا.
ثم راحت تضغط على زر الجرس بإصرار هستيري، كأنها تحاول أن تعيد الزمن للوراء بالضغط المتكرر، لكن الداخل ذكريات صامته، لا صوت حركة، لا وقع أقدام، لا أحد يقترب من العين السحرية.
حركت رأسها برفض متتابع.
“لا، لا، هو جوه، أكيد جوه.”
طرقت من جديد، أقوى، حتى آلمتها قبضتها، ألصقت أذنها بالباب، فلم تسمع سوى صمت بارد.
تراجعت خطوة، ثم هبطت الدرج مسرعة، تكاد تتعثر بثوبها، لمحت إحدى الجارات تقف عند المدخل، تحدق بها في ذهول.
اقتربت منها بأنفاس متلاحقة وسألت بعينين مذعورتين. أجابها الرجل الواقف إلى جوارها قائلًا:
“أيوه همام اخد أمه وسافر من شوية، زمانه وصل للمطار.”
توقفت الكلمات في الهواء، لكنها لم تتوقف في قلبها؛ بل اخترقته كرصاصة.
حركت رأسها بهستيرية، ترفض المعنى قبل أن تستوعبه.
“لا، لا مش ممكن.”
استدارت فجأة، وركضت في الشارع بفستانها الأبيض، لا ترى نظرات الناس، لا تسمع همساتهم، لا تشعر بشيء سوى أن شيئًا منها ينتزع بعيدًا.
أوقفت سيارة أجرة بيد مرتجفة، كادت تسقط لولا أنها تمسكت ببابها.
“على المطار، بسرعة!”
انطلقت السيارة، بينما كانت هي تحاول الاتصال به من جديد.
“الهاتف مغلق.”
أغلقت عينيها بقهر، وضغطت الهاتف إلى صدرها، كأنها تعاقبه لأنه لا ينقل صوتها إليه.
وصلت إلى المطار.
توقفت السيارة، اندفعت خارجها، وركضت نحو البوابة بعينين تبحثان بجنون بين الوجوه، رجال، نساء، مسافرون، حقائب تجر على الأرض، لكن لا أثر له.
دارت حول نفسها كطفلة ضاعت في زحام لا يرحم.
“همام!”
خرج اسمه من بين شفتيها مكسورًا، ثم أعلى، ثم أعلى، حتى صار صرخة. التفتت إليها الوجوه باستغراب، بعضهم يشير إليها، بعضهم يبتسم بسخرية، وبعضهم يكتفي بالمشاهدة.
لكنها لم تكن ترى أحدًا.
وفجأة، سمعت هديرًا مألوفًا.
رفعت رأسها ببطء.
كانت الطائرة ترتفع في السماء، تشق الغيوم، تبتعد.
اتسعت عيناها، كأنها تحاول أن تمسكها بنظراتها.
“همام.”
خرج اسمه هذه المرة همسًا مبحوحًا.
ثم انهارت.
سقطت على الأرض بفستانها الأبيض الذي اتسخ بطين الطريق، وارتفعت من صدرها صرخة مدوية، صرخة امرأة لم تفقد حبيبًا فحسب، بل فقدت آخر فرصة للغفران.
ترددت الصرخة في أرجاء المكان، لكنها لم تبلغ الطائرة التي واصلت صعودها في السماء، حاملة معها قلبًا يظن أنه ترك، وقلبًا آخر تأخر دقيقة واحدة فقط.
*************************
صعد رياض الدرج بخطوات واثقة، لا يشك لحظة أن الأمور تسير وفق ما خطط له، كانت الموسيقى تتعالى في الأسفل، والضيوف ينتظرون نزول العروس، مد يده وطرق باب غرفة ابنته طرقًا خفيفًا في البداية، ثم دفعه مفتوحًا وهو يبتسم ابتسامة رسمية جاهزة.
لكن ابتسامته تجمدت، الغرفة خالية.
تقدم خطوة إلى الداخل، عيناه تجوبان المكان باضطراب مفاجئ. الفستان ليس في موضعه، الزينة مبعثرة قليلًا، وشظايا زجاج متناثرة على الأرض كأنها بقايا انفجار صغير.
اشتد وجهه، وخرج صوته غاضبًا وهو يهتف بأسماء الخدم والحرس. تجمعوا أمامه مذعورين، يتبادلون النظرات، وكل منهم يؤكد أنه لم يرها، ولم تمر من أمامه.
كان الغضب يتصاعد في صدره، لكن خلفه مباشرة، وقف أسر، صامتًا.
هادئًا على نحو غير طبيعي.
لا سؤال، لا انفعال، لا حتى دهشة.
كان يراقب المشهد بعينين ثابتتين، كأنه يشاهد عرضًا كان يعرف نهايته سلفًا.
ذلك الهدوء أربك رياض أكثر من اختفاء ابنته، التفت إليه بتوتر واضح، وقال بتلعثم حاول إخفاءه:
“م متقلقش هنجيبها، والفرح هيتم وهتاخدها بيتك.”
أرجع أسر ظهره إلى الخلف قليلًا، ونظر إليه نظرة مطولة، باردة، خالية من أي تعاطف. لم يجبه.
أخرج هاتفه ببطء، ضغط رقمًا محفوظًا، وما إن جاءه الرد حتى قال كلمة واحدة:
“نفذ.”
هبطت الكلمة في صدر رياض كطعنة خفية، شعر بأن الأرض تميل به، وقال بصوت مضطرب:
“ت تقصد ايه بكلمة نفذ دي؟”
وفي تلك اللحظة، أعلن هاتفه عن اتصال وارد.
ابتسم أسر ابتسامة لم تصل إلى عينيه، وقال بهدوء مريب:
“رد على تليفونك وانت هتعرف.”
ازدادت دقات قلب رياض حتى كادت تخترق أذنيه، ابتلع ريقه بصعوبة، وضغط زر الاستجابة، وما إن أجاب، حتى جاءه صوت محاميه صارخًا في أذنه:
“خسرنا كل حاجة يا رياض باشا، الاسهم بتاعتنا بقت فى الارض، بعد انسحاب شركة فريد الهواري، وفسخ عقد الشراكة، الشركة راحت وكل حاجة راحت يا باشا.”
تجمد، بقي الهاتف ملتصقًا بأذنه، لكن الكلمات لم تعد تسمع بوضوح، شعر كأن الهواء انسحب فجأة من حوله. نظر ببطء نحو أسر، فوجده يبادله نظرة احتقار صريح، عينه ممتلئة بشر بارد.