دينا 2

فأستكمل “بيجاد” في اصرار بنبرته الخفيضة الجادة: – كون انك مقولتش انا حزين بعد وفاة ابونا مش معناه انك مش حزين عليه ولما متقولش انك محروق من جواك عشان مات مقهور مش معناها انك مرتاح.

أغمض “ريان” عيناه في غ.ضب وقد عادت به الذكريات لسنوات مضت حيث توفى والدهُ المسكين عامل المصنع البسيط الذي عمل بكد وطاعة ليملئ بطونهم ، لازال يتذكر وقوفه فوق رؤوسهم ليوقظهم لصلاة الفجر بل أسوأ فهو لازال يتذكر ذلك اليوم الأسود الثقيل حين عاد أبيه بملامح تحارب لقمع شعور بالقهر والذل وفي ذيله دلف شقيقه “بيجاد” الصغير الذي أصر منذ أيام مرافقه والده المسن إلى العمل لمساعدته متحججًا إنه لا يهوى الدراسة مثل ريان وليان.

ليتقدم “ريان” من والده متسائلًا هل كل شيء على ما يرام؟
فيجيبه والده بأن الأمور كلها على ما يرام في حين انه لا يوجد أمر واحد في هذه الدنيا بخير او على ما يرام، فقد علم من شقيقه وقتها انه تشاحن مع ابن مالك المصنع المدلل الذي يتعمد إلقاء قمامته لإذلال والده الذي يناديه ليقوم بتنظيفها امام عينيه ليتفاجأ بعدها بهبوط مالك المصنع الذي وقف أمامهم فصفع والده بمنتصف المكان متهمًا إياه بالفشل في تربية ابناءه، وقتها حاول “بيجاد” الثوران في وجهه الرجل فمنعه والده الذي اكتفي بنكس رأسه والاعتذار وربما هذا هو سر اهتياج شقيقه الأبدي مع أي غريب.

يتذكر فوران دمائه والقهر الذي شعر بها وقتها ولكن لن يفوق شيء ابدًا شعوره بالحسرة والقهر حين دلف لأيقاظ ابيهم فوجده جثة هامدة، ضحية لأرواح أعمتها متاع الدنيا وتجردت من الإنسانية. اضطرب حين هاجمه صوت شقيقه من جديد وهو يستكمل مهمته القاسية: – ولو انت مش بتقول أنا بحبك يا ريم .. ارجعيلي،
ده مش معناه ابدًا ان عينيك مش راكعه تحت رجليها وبتتمنى بس تبصلك بطرف عينيها. وقف “ريان” يصك أسنانه بحده وجسده يغلي ويكاد ينفجر من هول مشاعره المتفاقمة، هاتفًا في شقيقه مجفلًا الفتاتان:

– روّح يا بيجاد. وقفت “ريم” بفم مفتوح لا تصدق أفعاله المهينة وقالت محذره وهي تلاحظ ارتباك “وسام”: – ريان ! وقف “بيجاد” في بطء وارتسمت ابتسامه كبيرة منتصرة على وجهه وهو يشير لزوجته بمنتهى اللامبالاة معلنًا: – كده كده هنروح عشان اتأخرنا على أم وسام، يلا يا حبيبتي. اتجه “بيجاد” نحو زوجته المرتبكة ليقبل رأسها في حنو ويطمئنها بنظرة حب، ولم يفت “ريان” المشهد المفتعل من شقيقه كما لم يفته تلك اللمعة الصغيرة التي انطفأت سريعًا في عيون الريم طفلته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *