الفريزر
يوم السبت الصبح، وأنا بغسل أجزاء الشفاط، الجرس رن الساعة 9:12. شاشة الكاميرا أظهرت شادية واقفة على الباب بلبس الخروج، ومسكة في إيدها شنطة هدايا صغيرة فيها ورق وردي. كنا قايلين لها ما تجيش، ورغم كده كانت واقفة وباب بيتنا قدامها، بصة مباشرة للكاميرا اللي عارفة إنها سجلت كل حاجة. شادية خبطت جامد على الباب وندهت باسم محمود، وت حطتنا في الاختبار: يا ترى حدودنا الجديدة هتصمد ولا هتهتز؟
محمود فتح باب الشارع نص فتحة بس، ووقفت أنا جنبه. شادية سلمت عليه بابتسامة عريضة ومشرقة، ورَفعت شنطة الهدايا الصغيره وقالت إنها جابت حاجة لفريدة. لما فكّرها إننا طلبنا منها ما تجيش، ابتسامتها بدأت تتقلص وتقل. قالت إنها افتكرت إننا كبار وبنفهم وبنتصرف برشد، وكأن المشكلة في رد فعلنا مش في الـ 120 كيس لبن اللي رمتهم في الزبالة!
كانت عايزة تدخل جوة، بس محمود قالها بكل حسم إن الكلام ممكن يتم هنا على العتبة وفي المدخل. شفت الاستغراب والصدمة مرسومين على وشها، لأنه في العادي كان بيوسع لها ويدخلها فوراً أول ما تظهر. شادية أعلنت إنها جاية عشان “تصفي النفوس وتعمل خير”، فقلتلها تفضلي أنا سامعاكي. أول محاولة منها كانت إنها بتقول إنها “زعلانة ومتحسرة إني اتنرفزت وأوفرت بالمنظر ده”، وده كان كفيل يفهمني كل حاجة كنت محتاجة أعرفها.
شالت شادية شنطة الهدايا وفكرتنا إنها دفعت دم قلبها وجابت ثلاث صواني أكل في البيت. وكأن صواني الأكل دي ممكن تمحي اللبن اللي ضاع والساعات والتعب اللي وراه! سألتها لو كانت قرت الكارت الوردي اللي جنب الفريزر وافتكرت رسائلنا الواضحة. اعترفت إنها شافت الكارت، بس ادّعت إنها مش معقولة تفتكر كل رسالة بعتتها في حياتها!
شرحتلها الأكياس دي كانت بتعنيلي إيه لما فريدة كانت أصغر من إنها تيجي معايا البيت. كنت بشفط في الساعات اللي الناس التانية بتهتم بيها، بالذات لما كنت بحس بإحباط وعجز جنب سريرها في المستشفى. شادية بَصّت بعيد، وبعدين اشتكت وقالت إني بحول الكلام لمحاضرة وتأنيب. محمود ما جراش ينقذها من أسئلتي، وكنت شايفه في عينيها إنها كانت متوقعة منه يتدخل عشان يدافع عنها.
وبعدين شادية قالت حاجة غيرت نظرتي للحادثة كلها. قالتلي إني شكلي كان مجهَد، ومش ببتسم، وغرقانة ومستهلكة في الشفط وقواعد المستشفى والكشكول بتاعي. ومن وجهة نظرها، إنها لما ترمي الرصيد المتلج ده، ممكن يجبرني أبطل الهوس ده وأفرح ببنتي واستمتع بيها! بطني وجعتني وروح ردت فيّ لما فهمت إن الخسارة ما كانتش مجرد جهل بتواريخ التخزين.