فاطمة 8

اتسعت عينا “بلال” في صدمة، هل انفصل عنها فعلًا؟
لكن “طارق” لم يمنحه وقتًا طويلًا ليستوعب المفاجأة، وسأله:
مين دلوقتي اللي بيسيب التاني يا “بلال”؟ اللي بقاله سنين بيكفّر عن حاجة مغلطش أصلًا إنه عملها، وذنبه الوحيد بس إنها كانت في السر، ولا اللي رافض أي مجال للصلح وعايز ينهي كل حاجة؟

ظل “بلال” صامتًا لحظات، وكأن السؤال أكبر من أن يملك له إجابة، وحين طال انتظار والده، أجابه بابتسامة باهتة لم تخفِ ما أثقل قلبه:
معرفش يا بابا، كل اللي أعرفه إن بيتنا كان كويس أوي قبل ما كل ده يحصل.

كانت جملة بسيطة، لكنها وقعت على “طارق” كأنها حمّلته وحده كل ما آل إليه بيتهم.

وقبل أن يقول شيئًا، تابع “بلال” بصوت أكثر هدوءًا:
ومش هقدر ألوم ماما إنها بتختار تبعد، لإن السنين اللي حضرتك كنت بتحاول تكفّر فيها عن حاجة شايف إنك مغلطتش لما عملتها، أنا كنت كل يوم بشوف ماما وهي بتتعذب بسبب نفس الحاجة دي.

رفع “بلال” يده إلى وجهه ومسحه بتعب، ثم أخذ نفسًا طويلًا قبل أن يكمل:
مش هقدر ألومها إنها مقدرتش تسامح، زي ما بعمل بالظبط بقالي سنين، ومش بلومك في كل مرة بحس فيها إن بيتنا مبقاش هو بيتنا، وإن حياتنا مبقتش هي حياتنا.

حاول أن يتمالك نفسه، لكن صوته خانَه قليلًا، واضطر إلى ابتلاع غصة قبل أن يخبر والده:
حضرتك حر تتجوز، وماما حرة إنها متسامحش، وأنا كده كده هفضل ابنكم، يعني مهما كان اللي هتختاروه… أنا هفضل ابنكم.

ثم نظر لوالده وأكد، وكأنه يحسم الأمر بالنسبة إليه:
بس مهما كان اللي هيحصل، أنا مش هسيب ماما.

كانت تلك الكلمات هي أكثر ما آلم “طارق”.
ابنه، الذي اعتاد أن يرى في عينيه أثناء طفولته فخرًا به، يخبره الآن أنه يختار أمه بنظرات خالية من أي شيء.

امتلأت عينا “طارق” بالدموع، وابتلع غصة مريرة استقرت في حلقه، ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
وأنا مش هلومك على اختيارك، بس أنا متأكد إنك لما تكبر هتفهم وتقدّر، وهتعرف إن أبوك الموت كان أهون عنده من إنه يشوف في عينك إنك ممكن تسيبه عادي، بس متسيبش أمك.

_ أنا مقولتش كده.

دافع “بلال” عن نفسه سريعًا، لكن “طارق” قاطعه قبل أن يكمل:
وأنا مش هستناك تقولها، ومش هسمح بيها مهما حصل، أنت وأمك أحرار تشوفوني غلطان، وأنا حر في اللي جاي طالما مهما عملت نظرتكم دي مش هتتغير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *