فاطمة 8

لم ينتظر ردًا.
أعاد عينيه إلى الطريق، وأمسك بمقود السيارة من جديد، محاولًا أن يهرب إلى القيادة من الكلمات التي لم يعد قادرًا على سماع المزيد منها.

ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يقول “طارق” دون أن ينظر إلى ابنه:
إحنا مش راجعين البيت. هنسافر إسكندرية كام يوم.

_ ومامـ…

توقفت الكلمة على لسان “بلال” حين حسم والده الأمر قبل أن يكمل:
أنا سايب لها خبر.

ثم أضاف بسخرية موجعة:
ولما نوصل عايز تكلمها، كلمها.

صمت بعدها، ولم يضف حرفًا آخر، ترك نفسه للطريق، محاولًا أن يشغل يديه وعينيه بأي شيء بعيد عن أفكاره، بينما ظل “بلال” ينظر إليه للحظات، عاجزًا عن إيجاد شيء يقوله.

وأخيرًا أغمض عينيه بتعب، تاركًا والده وحيدًا في مواجهة المعركة داخل رأسه، معركته مع كل كلمة قالها ابنه وكل معنى حملته نظراته.

_________________________________________

لم تصدق “نوارة” أن “طارق” أخذ ابنها ليلًا دون علمها، خصوصًا بعد وعده الأخير لها بالانفصال، هوى فؤادها حين استيقظت ورأت فراش “بلال” خاليًا، ولم تجد سوى ورقة صغيرة فوق خزانته يخبرها فيها بأنه نزل مع أبيه وسيعود سريعًا، لكن الساعات مرت دون أن يعود.

وحين اتصلت بعمل زوجها وعرفت أنه لم يذهب إليه، وأنه أخذ إجازة، ثم دخلت غرفته فرأت أغلب ملابسه قد اختفت، أدركت ما حدث، لقد نجح أخيرًا فيما عجز عن فعله قبل سنوات… أخذ منها ابنها.

كانت تبكي بلا انقطاع، بينما تطالعها “إيمان” بقلق، وحاولت طمأنتها:
متخافيش يا ماما، عمو “طارق” ممكن يكون بيتفسح هو و”بلال” وهيرجعوا علطول.

مسحت “نوارة” وجهها بتعب، ثم اتكأت على عكازيها ونهضت، وفي اللحظة نفسها خرجت “أميرة” من المطبخ تحمل لها كوبًا من الليمون.

_ أنا هنزل أدور عليه.

قالتها “نوارة” بإصرار، فردت عليها “أميرة” بحزن:
رايحة فين بس يا “نوارة”؟ وهتدوري عليه فين؟

وأعادتها إلى مقعدها برفق وهي تمسك بذراعها:
استهدي بالله واقعدي، وبعدين مش أنتِ اتصلتي بعمه وقال هيرجعه؟

ردت أختها بانفعال، والدموع لا تزال عالقة بعينيها:
وأنا مش هستنى “شهاب” وأقعد مكاني، هروح أعمله محضر.

_ يا حبيبتي والله سألت الظابط وقالي مفيش حاجة اسمها محضر علشان واحد خرج بابنه، وخصوصًا يا “نوارة” إنه لسه جوزك.

حاولت أن تجعلها ترى الأمر من زاوية أكثر هدوءًا، ثم تابعت: هتقوليله إيه؟ جوزي خد ابنه وخرج من امبارح ومرجعش؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *