لبست هدوم واحد ش.حات ودخلت مطعمي

​أحفاده بقوا يزوروه يوم السبت، يقعدوا على البار يحلوا واجبهم زي ما كنت بعمل في ‘الطبق الطازة’ من عقود.

​وعملنا قاعدة بسيطة.

​سبورة صغيرة جنب الباب مكتوب عليها:

​محدش بيمشي جعان.

​الترابيزة اللي جنب الشباك اللي حبيبة قدمتلي فيها الشوربة بقت اسمها ‘ترابيزة الحاجة’.

​حسنين عمل لها يافطة نحاس صغيرة.

​الترابيزة دي عمري ما بحجزها.

​أي حد مش قادر يشتري وجبة يقعد هناك من غير ما يشرح ظروفه.

​بيجيلهم أكل دافي، حاجة يشربوها، ونفس المعاملة المحترمة زي أي حد.

​برطمان التبرعات بيساعد يدفع ثمن ده.

​واليومين دول، البرطمان مبيبقاش فاضي أبداً.

​الناس بتسيب خمسة جنيه، عشرين، وأحياناً أكتر بكتير بهدوء.

​محدش بيعمل شو.

​بيساعدوا وبس.

​الخميس اللي فات، كنت واقف وراء البار لما الجرس الصغير فوق الباب رن.

​راجل دخل.

​دقنه رمادية.

​بالطو بهتان.

​يافطة كرتون مطوية باينة من جيبه.

​عرفته فوراً.

​كان الراجل اللي قاعد جنب التقاطع الصبح اللي تنكرت فيه.

​الغريب الوحيد اللي بص في عيني.

​وقف بتردد جنب الباب.

​حبيبة خدت بالها منه.

​’مساء الخير،’ قالت بدفا. ‘جوعان؟’

​حس باحراج.

​’معايا قرشين بس.’

​’مش مشكلة،’ ردت حبيبة. ‘تعال معايا.’

​ودته للترابيزة اللي جنب الشباك.

​الترابيزة اللي عليها اليافطة النحاس.

​دخلت المطبخ وعملت طبق محترم من شوربة الفراخ بالخضار بتاعت أمي.

​حطيت عيش سخن وكوباية قهوة.

​بعدين خرجت كل حاجة بنفسي.

​الراجل بص لي.

​’تقابلنا قبل كده؟’

​ابتسمت.

​’عدينا على بعض في الشارع مرة. كنت طيب بما يكفي عشان تعبرني.’

​بص بتشتت.

​واضح إنه مش فاكر.

​وده تمام جداً.

​أحياناً أصغر الحركات بتعني أضعاف للي بياخدها مقارنة باللي بيقدمها.

​رفع معلقته وذوق الشوربة.

​بعد ثواني، غمض عينه.

​’دي تحفة،’ همس.

‘متشكر،’ رديت. ‘دي طريقة أمي.’

​بعدين رجعت للبار تحت صورتها.

​وأنا بتفرج عليه وهو بيستمتع بغداه، فكرت في الوعد اللي قطعته جنب سرير المستشفى من ثمانية عشرة سنة.

​لفترة، سمحت للوعد ده يختفي تحت التقارير المالية، خطط التوسع، والأرقام اللي شكلها مبهر.

​بس دلوقتي، أخيراً، ‘الحاجة زينب’ بقت المطعم اللي كانت عايزة أبنيه.

​مكان كل واحد فيه مهم.

​مكان الكرم مش بيتقاس بالحساب البنكي.

​ومكان محدش بيضطر يمشي منه جعان.

​لأن أمي علمتني إن القيمة الحقيقية للبني آدم عمرها ما تتقاس باللبس اللي لابسه، الفلوس اللي في جيبه، أو الوجبة اللي يقدر يدفع ثمنها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *