"لبست هدوم واحد شحات ودخلت مطعمي الخاص عشان أشوف الموظفين بيعاملوا الناس اللي مش قادرة تشتري وجبة محترمة إزاي. كنت متوقع شوية جفا في التعامل وممكن كلمتين تافهين، بس بدل كده اكتشفت مصيبة لدرجة إني اضطريت في الآخر أكلم البوليس. اسمى فرعوني. وعندي اتنين وخمسين سنة. من عشرين سنة، كنت بغسل أطباق في مطعم 'ستيك هاوس عم صبحي' بمقابل ستة جنيه في الساعة. كنت اتنين وتلاتين سنة، وقاعد من الشغل بعد ما المصنع اللي اشتغلت فيه إحدى عشرة سنة قفل، وكنت بحاول بكل الطرق أساعد أمي العيانة. فاكر كويس وأنا واقف جنب الحوض الصناعي، ونظارتي مبقعة من البخار، والجرسونة بترمي الأطباق الوسخة قدامي من غير ما تحتى حتى تحس بوجودي. بالنسبة لهم، مكنتش بني آدم. كنت مجرد واحد بينضف وراهم وخلاص. أمي، روزاليند، كانت معروفة للكل باسم 'الحاجة زينب'. طوال ثمانية وثلاثين سنة، اشتغلت في مطعم صغير في شارع الفسطاط اسمه 'الطبق الطازة'. كان فيه إحدى عشرة ترابيزة، وبار ضيق، وزباين بيرجعوا كل يوم تقريبا. ماما كانت فاكرة الناس بتحب قهوتها إزاي، مين من الزباين خسر جوزه أو مراته، ومين عياله لسه متخرجين. بس أكتر حاجة فاكرها هي قاعدتها اللي مابتتكسرش أبداً. 'محدش بيخرج من قسمي جعان يا فرعوني.. محدش خالص.' لما كان عندي اثنا عشرة سنة، كنت غالباً بقعد على البار أحل الواجب وأنا مستني وردتها تخلص. أحياناً كان بيخش راجل لابس جزمة مهشكة ومعاه قروش دوبك تكفي كوباية قهوة. ماما كانت تعد الفكة، وتجيب له شوربة وساندوتش وحاجة دافية يشربها، وتدفع هي الفرق من تباتيتها بهدوء. في يوم، سألتها ليه بتعمل كده. 'يا ماما، إحنا دوبك معنا فلوس تكفينا. ليه بتدفعي لناس متعرفيهمش؟' بطلت تمسح البار. 'يا فرعوني، أنت عارف أنا بشונת إنسان لما حد بالمنظر ده يدخل من الباب؟' هزيت كتفي. 'واحد معاهوش فلوس؟' بصتلي بنظرة صبورة. 'بشوف طفل حد تاني. واحد أمه غالباً قضت سنين قلقانة هو شبعان ولا لأ. يمكن الأم دي مبقتش موجودة. فلوقت قصير، لازم حد تاني يهتم.' ورجعت لشغلها. 'النهارده، الشخص ده هو أنا.' ماما ماتت من ثمانية عشرة سنة بعد صراع قصير مع السرطان. في آخر أيامها، مسكت إيدي وهي على السرير في المستشفى. 'أنت هتبني حاجة محترمة في يوم من الأيام،' همست. 'أتمنى يا ماما.' 'اوعى تنساني في حاجة.' 'أي حاجة.' 'أي حاجة تبنيها، أوعى تنسى الناس الجعانة.' وعدتها. خد الموضوع تسع سنين قبل ما أقدر أحقق الوعد ده بجد. اشتغلت من غسيل مواعين لحد ما بقيت طباخ مساعد وبعدين شيف أساسي. غيرت كذا مطعم، واتعلمت كل حاجة أقدر عليها. مراتي، داليا، كانت بتشتغل ورديات تمريض طويلة وأنا بحضر كورسات طبخ بالليل. قعدنا ست سنين عايشين في شقة ضيقة فوق مغسلة، بنحوش كل قرش نقدر عليه. لحد ما من إحدى عشرة سنة، فتحت مطعمي الخاص. سميته 'الحاجة زينب'. كان في مبنى قديم من الطوب في شارع الحبيب وكان صيدلية زمان. كان فيه أربعين ترابيزة، بار خشب، وصور بالأبيض والأسود لأمي معلقة جنب الكاشير. شوربة الفراخ بالخضار بتاعتها بقت أول صنف في المنيو. حتى إني بروازت طريقتها اللي كاتباها بإيديها فوق بوتاجاز المطبخ. إملائها مكنش مظبوط، بس عمري ما غيرت حرف واحد. طوال سنين، 'الحاجة زينب' كانت كل اللي حلمت بيه. الجيران المتقاعدين يتجمعوا عشان الفطور. العائلات تحتفل بأعياد الميلاد. الزباين الكبار يلعبوا كوتشينة على البار. كل يوم حد، الحاجة عواطف اللي عندها واحد وثمانين سنة، كانت بتيجي بعد الكنيسة تاخد شوربة فراخ ونصف ساندوتش تونة. كانت دايماً مصرة تسيب تيب اتنين جنيه. وأنا نفذت وعدي. جنب الكاشير كان فيه برطمان إزاز مكتوب عليه 'قاعدة الحاجة زينب'. الزباين يقدروا يتبرعوا بفلوس فكة عشان يساعدوا في وجبات لأي حد مش قادر يدفع. محدش كان محتاج يشرح ظروفه. ومحدش كان بيمشي جعان. دي كانت وصية أمي. ولسنين طويلة، حمايتها بكل قوتي. لحد ما عملت الغلطة اللي كادت تدمر كل حاجة. من سنتين، مطور عقاري عرض عليا مكان كويس في مول تجاري جديد. مراتي اقترحت إننا ناخد وقت نفكر. كنت متحمس لدرجة إني مسمعتش كلامها. مضيت العقد وفتحت 'الحاجة زينب 2'. للأسف، إدارة مطعمين بقت أصعب بكتير مما تخيلت. المكان الجديد كان محتاج اهتمامي طول الوقت. مشاكل في العمالة، موردين مش مظبوطين، مشاكل صيانة، وقرارات مالية ملهاش نهاية استهلكت كل ساعة في يومي. كنت بشتغل ستة عشرة ساعة في اليوم وبادوبك بزور مطعمي الأصلي. في الآخر، قررت أجيب مدير عام. اسمه عاطف. عاطف عنده أربعة وثلاثين سنة، ومعاه شهادة تجارة من جامعة القاهرة، وكان شغال في كذا سلسلة مطاعم قبل كده. كان لابس قمصان غالية، بيتكلم بثقة، وبيملى اجتماعاتنا بكلمات زي 'تحسين الإيرادات' و'زيادة دوران الزباين'. مكنتش فاهم كلامه الإداري أوي، بس نتايجه المالية القديمة كانت مبهرة. في الإنترفيو، ضغط على إيدي. 'يا فرعوني، هتعامل مع مطعمك كأنه بتاعي. أنت ركز في توسيع البزنس.' صدقته. في الأول، النتائج كانت ممتازة. المبيعات زادت. المصاريف قلّت. كل يوم اتنين، عاطف بيبعتلي إيميل فيه تقارير محترفة مليانة رسوم بيانية شكلها حلو. كنت ببص عليها بليل متأخر وأرتاح. بعدين الشكاوي بدأت. واحدة جت من عم صبحي، زبون عنده أربعة وسبعين سنة كان بيفطر في 'الحاجة زينب' كل يوم عمل تقريبا من تسع سنين. كان دايماً يطلب بيضتين، عيش ريتشارد، وقهوة سادة. إيميله كان قصير. فرعوني، مش عايز أعمل مشاكل، بس أنا بطلت أجري على المكان. مطعمك مبقاش مرحب زي الاول. أتمنى كل حاجة تكون كويسة. سألته إيه اللي حصل. مردش أبدا. بعد شهر، زبونة تانية اشتكت إن عيلتها استنت أربعين دقيقة رغم وجود ترابيزات فاضية كتيرة. بعدين رسايل أكتر وصلت. الموظفين بقوا جافين. الزباين القدامى بقوا حاسين إنهم مش مرحب بيهم. الجو العام اتغير. كلمت عاطف. طمني على طول. 'يا فرعوني، إحنا بندير المكان بطريقة أكثر احترافية دلوقتي. بعض الزباين القدامى متعودين يقعدوا بالساعات من غير ما يصرفوا فلوس كتيرة.' 'بس عم صبحي بيدعمنا من سنين.' 'طبعاً، بس راجل واحد بيطلب فطار رخيص كل يوم الصبح مش بيدفع الفواتير. بص على التقارير المالية.' فبصيت. الأرقام كانت كويسة. وتجاهلت إحساسي الداخلي. بندم على القرار ده أكتر ما أقدر أشرح. بعدين الحاجة عواطف بطلت تيجي. مأخدتش بالي من غيابها إلا بعد شهرين تقريباً. لما كلمت بيتها، حفدتها ردت. 'تيتا كويسة،' قالت. 'هي بس مبقتش حابة تأكل بره تاني.' ده قلقني. الحاجة عواطف كانت بتيجي كل يوم حد من ساعة ما 'الحاجة زينب' فتحت. فيه حاجة غلط. في ليلة، عديت على المطعم الأصلي بعد ما قفل عشان ألم شوية ورق. الطباخ القديم بتاعنا، عم حسنين، كان بيضف الشواية. حسنين كان بيشتغل معايا من أول يوم. كان في الستينيات من عمره، هادي، معتمد عليه، ومن الناس القليلة اللي بتقدر تعمل شوربة أمي بالضبط زي ما كانت بتعملها. لما خد باله مني، بص بتوتر ناحية مكتب المدير. 'يا باشا، ممكن نتكلم بره؟' طلعنا الممر اللي وراء المطبخ. حسنين تردد. 'أنا كنت عايز أقولك على حاجة من شهور.' 'إيه هي؟' 'لازم تشوف عاطف بيعامل الزباين اللي شكلهم معاهمش فلوس إزاي.' استنيت. 'هو وميرنا، المضيفة الجديدة، بيطردوا الناس حتى والترابيزات فاضية. أحياناً بيقعدوا الزباين الكبار جنب الحمام ويتجاهلوهم بالعمد.' بطني وجعتني. 'وفين برطمان الوجبات المجانية؟' حسنين بصلي بحزن. 'يا فرعوني، عاطف شاله من شهور.' بصيت له بشغل. 'إيه؟' 'قال إنه بيخلي شكل المكان رخيص. كان فيه حوالي ثلاث مائة جنيه جوه. قال إنهم راحوا لحسابات المطعم العامة.' 'ليه محدش قال لي؟' حسنين وطى عينه. 'حاولت. كلمتك في مارس. قلت إنك مشغول وهترجع تكلمني.' مكنتش فاكر المكالمة دي. كمل كلامه. 'بعدها، عاطف حذرني إني ماكلمكش تاني. وقال إن واحد في سني مش هيلاقي شغل تاني بسهولة.' حسنين كان عنده حفيدين عايشين معاه. ميستحملش يخسر دخله. حطيت إيدي على كتفه. 'مكنش المفروض تضطر تختار بين إنك تتكلم أو تحمي عيلتك. أنا اللي مفروض كنت أسمع.' الليلة دي، معرفتش أنام. فضلت أفكر في عم صبحي. الحاجة عواطف. برطمان التبرعات اللي اختفى. وصورة أمي المبتسمة المعلقة فوق الكاشير. في الآخر، داليا ولعت ابجورة السرير. 'يا فرعوني، إيه اللي مقلقك؟' حكيت لها كل حاجة. لما خلصت، بصتلي. 'إذن افصل عاطف.' 'على أساس إيه؟ هينكر كل حاجة، ويهريني تقارير مالية، ويقول إن الشكاوي دي من زباين مش مبسوطين.' 'إذن روح وشوف بنفسك.' 'هو عارف شكلي. الكل هيتعدل لو دخلت من الباب.' سكتّ. بعدين جت في دماغي فكرة. 'لو مكنوش عرفوني؟' داليا بصتلي باستغراب. 'يا فرعوني، ناوي على إيه؟' 'عايز أعرف بيعاملوا واحد معايوش فلوس وجبة غالية إزاي.' قالت إن الفكرة دي جنون. يمكن كانت صح. بس كان لازم أعرف. اليوم اللي بعده، رحت وكالة البلح. اشتريت جاكيت بني قديم بجيوب مقطوعة، بنطلون جينز مهلهل، طاقية صوف رمادي، وبوت قديم. اللبس كله كلفني إحدى عشرة جنيه. بطلت أحلق دقني كام يوم وسبت ساعتي الغالية، محفظتي، ودبلتي في البيت. جوه الجاكيت، مكنش معايا غير موبايلي وأربعة جنيه فكة. لما داليا شافتن، هزت راسها. 'شكلك زفت.' 'ده المطلوب.' عدلت لياقة الجاكيت. 'أمامك يا هتفخر بيك يا هتهزئك عشان عملت حركة مجنونة.' ابتسمت. 'غالباً الاتنين.' ركنت على بعد أربع بلوكات من 'الحاجة زينب' ومشيت ناحية شارع الحبيب. تقريباً على طول، حسيت بحاجة مش مريحة. الناس بتبعد عني. واحدة بتبت عربية أطفال بعدت أكتر. راجل ببدلة بص في جيبه الخلفي وأنا بقرب. قريب من تقاطع الحبيب والخامس، عديت على راجل قاعد جنب يافطة كرتون بيطلب مساعدة. كان لابس بالطو قديم ودقنه رمادية. وأنا معدي، بصلي مباشرة وهز راسه بهدوء. رديت عليه. ده كان الغريب الوحيد اللي عبرني طول المشوار. الساعة اتناشر، زقيت باب زجاج 'الحاجة زينب'. الجرس الصغير فوق الباب رن. كنت مركب الجرس ده من إحدى عشرة سنة لأن 'الطبق الطازة' كان عنده زيه. المطعم كان نصه بس مليان. كنت شايف كذا ترابيزة فاضية جنب الشبابيك. وراء كاشير أسود حديث، كانت واقفة بنت شعرها أصفر مربوط ذيل حصان. ميرنا. كانت بتلعب في موبايلها. لما رفعت عينها أخيراً، بصت في لبسي وكشرت في ساعتها. 'لو سمحت،' قلت بهدوء. 'ممكن طبق شوربة ومية؟ معايا أربعة جنيه بس.' فتحت إيدي عشان أوريهالها. بصتلها بسطحية شديدة. 'محجوزين بالكامل.' بصيت للترابيزات الفاضية. 'واللي هناك دول؟' 'محجوزين.' 'كلهم؟' تنحت. 'يا عم، فيه مطعم فول وطعمية على بعد كام بلوك.' وقفت وحاسس إني شفاف بشكل غريب. أنا اللي بنيت المطعم ده. وصورة أمي معلقة على بعد كام خطوة. ومع ذلك الموظفة اللي قدامي بتعاملني كأني لا أستحق الدخول. كنت همشي لما حد نادى. 'لو سمحت يا عم، استنى.' جرسونة صغيرة قربت من المطبخ. كان شعرها غامق ولابسة مريلة سوداء واسعة عليها شوية. اسمها كان حبيبة. بصت في وشي مش في لبسي. 'جوعان يا حج؟' سألت برقة. 'أيوه يا بنتي.' 'تعال معايا.' ميرنا اعترضت على طول. 'يا حبيبة، الترابيزات دي محجوزة.' 'انهي واحدة؟' سألت حبيبة. 'وريني الحجز كده؟' ميرنا سكتت. حبيبة ودتني لترابيزة صغيرة جنب الشباك اللي قدام. 'تحب شوربة؟' 'ياريت.' 'شوربة الفراخ بالخضار عندنا تحفة. دي طريقة أم صاحب المطعم.' كنت هبتسم. 'ياريت.' بعد دقايق، رجعت حبيبة ومعاها طبق شوربة بيطلع بخار، عيش سخن، قهوة، ومية ساقعة. رتبت كل حاجة قدامي بنظام. زي ما بتخدم أي زبون مهم. بصيت للشوربة. طريقة ماما. حسنين لسه بيعملها مضبوطة جداً. رفعت المعلقة بإيد بتترعش. بعد ما كلت نص الطبق، حطيت الأربعة جنيه على الترابيزة. حبيبة خدت بالها. 'خلي فلوسك معاك،' قالت. 'أقدر أدفع.' 'عارفة. بس النهاردة اعتبرها عليا.' 'ليه؟' ابتسمت برقة. 'فيه حد ساعدني زمان لما كنت محتاجة. أنا بس برجع المعروف.' بعدين ملت كوباية القهوة ومشيت. قعدت جنب الشباك أحبس دموعي. كلام أمي رجع لي تاني. لازم حد يهتم. والنهارده، الشخص ده هو حبيبة. ومعندهاش فكرة أنا مين أصلاً. بعدين باب المطبخ اتفتح. عاطف ظهر. قميصه الأزرق الغالي مكوي كويس، وساعته الدهبي بتلمع في إيده. ميرنا وراه بتشاور على ترابيزتي. 'إيه اللي بيحصل هنا؟' سأل عاطف بغضب. حبيبة طلعت لقدام. 'أنا اللي قعدته. بيتغدى عادي.' عاطف بصلي باشمئزاز واضح. 'دفع؟' 'أنا اللي دافعة وجبته.' ضحك بسخرية. 'دي تجارة يا حبيبة مش جمعية خيرية.' 'ده طبق شوربة واحد.' 'طبق النهاردة، خمسة بكره. تلاقي الزباين عايزين يقعدوا جنب أشكال زيه طول اليوم من غير ما يشتروا حاجة؟' شاور عليا. 'الزباين مش عايزين ياكلوا جنب ناس بالشكل ده.' وطيت عيني. 'أنا مش عايز أعمل مشاكل،' قلت. عاطف قرب من كرسي. 'يبقا اقلع بره.' حبيبة اعترضت. 'الراجل ما عملش حاجة غلط.' عاطف طنشها ومسك دراعي، وشدني عشان أقوم. ركبتي خبطت الترابيزة. القهوة وقعت على المفرش الأبيض. 'برا،' أمر تاني. 'ماشي هطلع،' رديت. بس كمل زق ليا ناحية الباب. جزمتي المقطوعة شبكت في السجادة واتكفيت على جنب. وهنا شوفت حاجة غيرت الموقف كله. ست عجوزة لابسة بالطو بنفسجي واقفة عند كاشير الاستقبال. ساندة على عكاز وبتحاسب الفاتورة. ميرنا خدت كارت الفيزا بتاعها. بس بدل ما تستخدم ماكينة الدفع الرسمية بتاعت المحل، حركت الكارت تحت الكاشير. لمحت جهاز إلكتروني أسود صغير. عدت الكارت من عليه قبل ما تكمل الدفع بشكل طبيعي. الحركة كلها ماخدتش ثواني. بعدين ميرنا ابتسمت. 'متشكرة يا مدام وفاء، شرفتينا.' عرفت الحركة دي. بعد سنين في المطاعم، حضرت تدريبات أمن دفع كتيرة. اللي شوفته معناه بوضوح إن فيه حد بيسرق بيانات كروت الزباين سراً. بعدين لاحظت عاطف بيبص لإيد ميرنا. ملامحه اتغيرت. 'برا!' زعق. زقني بره الباب. وقعت على الرصيف، ووقعت على إيدي وركبي. ومن وراء الازاز، سمعته بيضحك. بس مكنتش مركز معاه. أفكاري كانت بتجري. عم صبحي. الحاجة عواطف. العيلة اللي اشتكت من سوء المعاملة. هو الزباين اتعرضوا لسرقة فلوس من كروتدهم بعد ما أكلوا في 'الحاجة زينب'؟ هو ده السبب إن الزباين القدامى بطلوا يرجعوا؟ قمت ببطء ولمست موبايلي. أول فكرة جت في بالي أدخل وأعرفهم أنا مين وأطرد عاطف في ساعتها. بس بعدين عرفت إن لو الجهاز اختفى، إثبات اللي شوفته هيبقى صعب. عشان كده قربت من شباك الجنب وصورت منطقة الكاشير من بره بهدوء. بعد دقايق، زبون تاني جه يحاسب. شوفت ميرنا بتكرر نفس الحركة المشبوهة تحت الكاشير. دلوقتي بقى معايا دليل البوليس يقدر يفحصه. فجأة، باب المطعم فتح. نزلت موبايلي بسرعة. دي كانت حبيبة. كانت ماسكة كيس ورق أبيض. 'أنا مطمنة إنك لسه هنا،' قالت. 'أنت كويس؟' لاحظت إيدي المجروحة. 'أنا أسفة جداً ع اللي حصل.' 'أنا كويس.' مدت الكيس ليا. 'فيه شوربة تاني جوه، وعيش، وفلوس بسيطة. خدهم معاك لو سمحت.' بصتلها. 'ليه تغامر وتعملي مشاكل عشان واحد غريب؟' ملامحها لانت. 'لأن عارفة الإحساس ده إيه.' حكتلي إنها وهي عندها سبع سنين، فقدت بيتها وقعدت شهور تنام في العربية. في الفترة الصعبة دي، جرسونة في مطعم جنب محطة المترو كانت بتديها فطار كل يوم الصبح. 'عمرها ما حسستني بالخزي،' قالت حبيبة. 'وعمري ما نسيت عملت إيه.' حسيت زوري بينقبض. 'حد ساعدك، فدلوقتي بتساعدي غيرك؟' هزت راسها. 'المفروض الدنيا تمشي كده.' مسكت كيس الورق الدافئ في صدري. بعدين سألتها سؤال. 'يا حبيبة، هو أنتِ شوفتي ميرنا بتعمل أي حاجة غريبة لما الزباين بيدفعوا بالفيزا؟' وشها بقى جدي. 'ليه بتسأل؟' قبل ما أشرح، باب المطعم فتح تاني. عاطف طلع بغضب بره. 'يا حبيبة! بتعملي إيه؟' 'باخد استراحتي.' شاف الكيس. 'اديتيه أكل من المطعم؟' 'أنا دافعة ثمنه.' 'مش مهتم. أنتِ مطرودة. روحي هاتي حاجاتك.' حبيبة بصتله. 'بتطردني عشان بساعد حد؟' 'أنا المدير وأنا اللي باخد القرار.' بعدين بص ناحيتي. صوته وطى. 'شوفتك واقف جنب الشباك وماسك موبايلك.' سكتّ. 'كنت بتصور إيه؟' 'ولا حاجة تخصك.' قرب أكتر. 'هات التليفون.' 'لأ.' حاول يخطف الجاكيت. بعدت وحميت موبايلي. حبيبة وقفت بينا. 'يا عاطف كفاية!' زقها ووقعت على الحيطة. ده كان كفاية جداً. طلعت موبايلي وطلبت 10. عاطف ضحك. 'اتفضل. تفتكر مين هيصدقوك؟' لما الموظف رد، تكلمت بوضوح. 'اسمي فرعوني. أنا صاحب مطعم 'الحاجة زينب' في شارع الحبيب. المدير بتاعي اتعامل بعنف معايا ومع موظفة عندي. وكمان أعتقد فيه جهاز سرقة كروت بنكية غير قانوني جوه المطعم. محتاجين بوليس يحقق.' عاطف تجمد. ثقته اختفت. حبيبة بصتلي بتنهيدة. 'استنى. أنت فرعوني؟' قلعت طاقيتي الصوف الرمادي. 'أهلاً بيكي يا حبيبة. سعيد جداً بمقابلتك.' عاطف لفت ورجع يجرى جوه المطعم. مشيت وراه. لما وصلت لكاشير الاستقبال، كانت ميرنا ماسكة الجهاز الأسود الصغير. وعاطف بيطلب منها تديهوله. 'يا ميرنا،' قلت بحزم. 'حطيه على الكاشير.' بست بيني وبينه. 'البوليس جاي،' كملت. 'ماتخليش الموضوع أسوأ بتخبية أي حاجة.' ببطء، حطت الجهاز جنب تابلت الحجز. تحت صورة أمي بالظبط. في دقائق، ضباط البوليس وصلوا. والتحقيق الحقيقي بدأ. ظابط خد أقوالي بينما حبيبة قعدت جنبنا وثلج على كتفها. حسنين طلع من المطبخ وبص بصدمة لما عرف إيه اللي حصل. عاطف اتأخذ للتحقيق على جنب. ميرنا بدأت تعيط. 'هو قال لي محدش بيخسر حاجة،' كررت. 'قال البنوك هتعوضهم.' المحققين فحصوا الجهاز المشبوه وراجعوا الأدلة المتاحة. وبإذن قانوني، فتشوا مكتب عاطف كمان. جوه، لقوا أجهزة إلكترونية زيادة، سجلات كمبيوتر، ومستندات بتثير قلق كبير حول عمليات سرقة الكروت. محقق جرائم مالية اسمه شريف فوزي انضم للتحقيق. بعد ما راجع السجلات المبدئية، كلمني على جنب. 'يا استاذ فرعوني، عاطف بيدير المطعم ده من إمتى؟' 'ثمانية عشرة شهر.' شاور على تسلسل تواريخ. 'بعض السجلات دي بترجع لأكتر من سنة. إحنا قدام مئات من عمليات الكروت المسروقة المحتملة.' قعدت. 'مئات؟' 'ده اللي هنحتاجه نحدده.' حسيت إني تعبان جسمانياً. زبايني كانوا بيثقوا في 'الحاجة زينب'. بيثقوا في موظفيني. وعشان كنت مشغول بالتوسع، ماشوفتش إيه اللي بيحصل في مطعمي. بعدين، المحققين عرفوا إن عاطف كان شغال مع شريك تاني بره المحافظة. المعلومات اللي اتجمعت في 'الحاجة زينب' اتربطت بعمليات شراء تانية بره. موظف تاني، تامر، اعترف إن عاطف دفعله عشان يسكت عن التصرفات المشبوهة ويساعد في تطفيش زباين معينين. رفدت تامر من شغله. بس طرد الموظفين مش هيصلح الضرر. بعد ما البوليس مشي، قفلت المطعم بالليل. قعدت على قفص بلاستيك في المطبخ، ولسه لابس لبس وكالة البلح. حسنين جه وقعد معايا ومعاه كوبايتين قهوة. 'متأسف يا باشا،' همس. 'على إيه؟' 'عشان مقلتلكش بدري.' هزيت رأسي. 'حاولت يا حسنين. أنا اللي مسمعتش.' بصيت للبرواز اللي فوق البوتاجاز. 'أمي بناءت حياتها على إنها تأكل الناس. وأنا سبت حد يشيل برطمان التبرعات ويهين الزباين اللي كانت هترحب بهم.' حسنين سكت. بعدين حبيبة ظهرت عند مدخل المطبخ. كانت راجعة عشان حاجة نسيتها. 'يا حبيبة،' قلت، 'تقعدي معانا؟' ترددت قبل ما تجب قفص تاني وتعد. التلاتة قعدنا بهدوء. 'أحب أشكرك،' قلت لها. 'على إيه؟' 'عشان عاملتي واحد بمعروف وأنتِ فاكرة معايوش مليم.' هزت راسها. 'معرفش إنك صاحب المكان.' 'عارف. عشان كده كرمك كان غالي أوي.' عينها اتملت دموع. سألتها لو شافت أي حاجة غريبة عند الكاشير قبل كده. اعترفت إنها مرة سألت ميرنا عن الجهاز الغريب ده، بس اترد عليها إنه جهاز احتياطي. وبعدها بفترة، عاطف بدأ ينتقدها لأنها بتدي قهوة مجانية أو بتساعد الزباين. 'فضل يهددني بالطرد،' قالت. 'كنت فاكرة إني فاشلة في شغلي.' 'مكنتيش فاشلة،' قلت لها. وكنا صادق. الصبح، بدأت أتواصل مع الزباين اللي ممكن يكونوا اتأذوا. المحقق شريف قدم معلومات مناسبة للمشاركة أثناء التحقيق. ومع الناس المختصة، بدأت أكلم الزباين القدامى. بعضهم كان متعصب. والبعض التاني مش فاهم. وقليل اللي مكنش واخد باله من السرقة. واحد قالي إنه قعد أسابيع يتخانق مع البنك بعد ما خسر أكتر من ألف جنيه. إيجار شقته اتأثر، وكان هيطرد. سمعت من غير ما أقاطعه. لما خلص، قلت: 'عندك حق تغضب. وأنا متأسف إني فشلت أحمي الناس اللي وثقت في مطعمي.' عرضت مساعدة في الخسائر الموثقة والمصاريف اللي معوضتش. وقلت للزباين إنهم مرحب بهم يرجعوا في أي وقت يحبوا. معظمهم قالوا هيفكروا. بعدين عم صبحي كلمني. 'يا فرعوني، سمعت اللي حصل،' قال عم صبحي. 'متأسف جداً.' 'خسرت حوالي اربعمائة جنيه، بس البنك عوضني.' 'أنا مرتاح إني سمعت كده.' سكت شوية. 'يا فرعوني، الفلوس مش هي سبب مقاطعتي.' غمضت عيني. 'إذن إيه؟' 'مديرك حسسني إني مبقتش أنفع للمكان.' شرح إنه كان بيتقعد في ركن بعيد باستمرار. في يوم، عاطف جه وسأله لو ناوي يطلب حاجة تانية غير القهوة. بعدين قال تلميح عن حجز أحسن الترابيزات للناس اللي بتدفع فلوس أكتر. 'أنا باكل فطار هناك من يوم ما فتحت،' قال عم صبحي بهدوء. 'بس فجأة مبقتش كويس بما يكفي.' صدري انقبض. 'يا عم صبحي، تيجي بكرة الصبح؟ أنا هعملك فطورك بنفسي.' فضل ساكت. في الآخر قال: 'بيضتين عيون مقليين. عيش ريتشارد.' ابتسمت. 'فاكر.' اليوم اللي بعده، عم صبحي قعد على كرسيه القديم على البار. عملت له البيض زي ما بيحبه بالظبط. لما خلص، حط خمسة جنيه تحت كوباية القهوة. حاولت أرجعها له. بس شاور على الكاشير. 'حطها في البرطمان يا فرعوني.' بس برطمان التبرعات كان متشال. بعد الظهر، اشتريت برطمان إزاز جديد. كتبت 'قاعدة الحاجة زينب' على الوش وحطيته تحت صرة أمي. خمسة جنيه عم صبحي بقت أول تبرع. بعدين، رحت للحاجة عواطف. كانت ساكنة في بيت أصفر صغير في شارع مرسي. حفدتها فتحت الباب وفي الآخر دخلتني جوه. الحاجة عواطف ظهرت وهي ماشية بعكاز. 'يا فرعوني،' قالت. 'أهلاً يا حاجة.' بصتلي شوية. بعدين حكتلي اللي حصل. حد عمل عمليات شراء من حسابها. المشاكل المالية أثرت مؤقتاً على قدرتها تشتري دواها وحاجات تانية. حفدتها ساعدتها. وعدتها أساعد في أي خسائر محتملة أو مصاريف معوضتش. بس الحاجة عواطف مخلصتش كلامها. 'أسوأ حاجة مكنتش الفلوس،' قالت. شرحت إن في آخر زيارة لـ 'الحاجة زينب'، تعبت وهي بتطلع الكارت من شنطتها. ميرنا زهقت. قدام زباين كتير، اقترحت إن الحاجة عواطف تجيب حد معاها يعرف يحاسب بدالها. 'حسستني إني هبلة،' همست الحاجة عواطف. 'كأني أكبر من إني أكون هناك.' حسيت بالكسوف. 'أممك عمرها ما كانت هتعاملني كده،' أضافت. 'صح،' اعترفت. 'مكنتش هتعمل كده.' استنيت قبل ما أرد تاني. 'يا حاجة، ممكن أجيبك بعد الكنيسة يوم الحد ده؟ هاخدك 'للحاجة زينب' ونتغدى سوا.' بصت في وشي. 'شوربة فراخ؟' 'طبعاً.' 'ونصف ساندوتش تونة؟' 'بالظبط.' وشها لان. 'وهسيب التيب بتاعي اتنين جنيه برده.' ابتسمت. 'مكنتش أتوقع غير كده.' الإجراءات القانونية فضلت مستمرة شهور. المحقيين ربطوا نشاط عاطف بشبكة نصب واسعة في كروت الائتمان وفي شريك بره. عاطف وافق على صفقة اعتراف وخد حكم سجن. ميرنا تعاونت مع المحققين وخدت إيقاف تنفيذ وشغل مجتمعي. حضرت جلسة النطق بالحكم. لما ادوني فرصة أتكلم، حكيت للمحكمة عن أمي. وصفدت ثمانية وثلاثين سنة من خدمتها للوجبات لناس مش قادرة تدفع. وشرحت ليه سميت المطعم باسمها. بعدين قلت حاجة كنت بفكر فيها شهور. 'دي مكنتش مجرد أرقام حسابات. دي كانت تبع ناس. أجداد. أمهات. جيران. ناس وثقت فينا.' مطلبتش انتقام. كنت عايز الكل يفهم إن الضرر أكبر بكتير من الفلوس. في الربيع ده، ميرنا بعتت لي جواب مكتوب بخط إيدها. شرحت إن شغلها الخدمي المجتمعي في بنك طعام خلاها تواجه استعجالها مع الناس المحتاجة مساعدة زيادة. في يوم، ساعدت راجل عجوز بعكاز وشالت معاه الشنط لحد محطة الأتوبيس. وكتبت إنها فهمت أخيراً ليه معاملتها للحاجة عواطف كانت قاسية جداً. احتفظت بالجواب. مكنتش جاهز أرد. بس أتمنى تكون اتغيرت بجد. في الوقت ده، خدت قرار تاني كبير. بعت 'الحاجة زينب 2'. المطعم الفرعي كان بيكسب، بس لقيت نفسي مش عايز أقضي حياتي بوسع بزنس وأهمل الناس اللي عملت له قيمة أساسية. داليا سألتني لو متأكد. 'فتحت 'الحاجة زينب' عشان أكرم أمي،' قلت لها. 'بعدين ركزت في المكسب ونسيت ليه بدأت أصلاً.' البيع اداني فلوس أحل بيها الخسائر التانية المرتبطة بالنصب. بالتحديد، صرفت حوالي واحد وأربعين ألف دولار لمساعدة الزباين المتضررين في مصاريفهم اللي معوضتش. بعضهم احتاج مساعدة في رسوم البنك. والبعض التاني اتأخرت مدفوعاته أو حصلت له مشاكل مالية. الحاجة عواطف خدت مساعدة في مصاريف دواها. مكنتش أقدر أصلح اللي حصل. بس كنت أقدر أتحمل المسؤولية وأصلح اللي أقدر عليه. بعدين رقيت حبيبة لمديرة عامة. كانت مصدومة. 'يا فرعوني، أنا عمري ما درت مطعم. معاييش شهادة تجارة.' ابتسمت. 'يا حبيبة، المدير اللي فات كان معاه شهادة تجارة وتقارير ممتازة. تعرفي أنا محتاج إيه بجد؟' هزت راسها بالنفي. 'واحد بيلاحظ البني آدم اللي واقف قدامه قبل ما يحكم على لبسه.' عيطت. ووافقت. عم حسنين بقى مدير المطبخ. خد زيادة في المرتب، أعدات أحسن، ومسؤولية أكبر. أحفاده بقوا يزوروه يوم السبت، يقعدوا على البار يحلوا واجبهم زي ما كنت بعمل في 'الطبق الطازة' من عقود. وعملنا قاعدة بسيطة. سبورة صغيرة جنب الباب مكتوب عليها: محدش بيمشي جعان. الترابيزة اللي جنب الشباك اللي حبيبة قدمتلي فيها الشوربة بقت اسمها 'ترابيزة الحاجة'. حسنين عمل لها يافطة نحاس صغيرة. الترابيزة دي عمري ما بحجزها. أي حد مش قادر يشتري وجبة يقعد هناك من غير ما يشرح ظروفه. بيجيلهم أكل دافي، حاجة يشربوها، ونفس المعاملة المحترمة زي أي حد. برطمان التبرعات بيساعد يدفع ثمن ده. واليومين دول، البرطمان مبيبقاش فاضي أبداً. الناس بتسيب خمسة جنيه، عشرين، وأحياناً أكتر بكتير بهدوء. محدش بيعمل شو. بيساعدوا وبس. الخميس اللي فات، كنت واقف وراء البار لما الجرس الصغير فوق الباب رن. راجل دخل. دقنه رمادية. بالطو بهتان. يافطة كرتون مطوية باينة من جيبه. عرفته فوراً. كان الراجل اللي قاعد جنب التقاطع الصبح اللي تنكرت فيه. الغريب الوحيد اللي بص في عيني. وقف بتردد جنب الباب. حبيبة خدت بالها منه. 'مساء الخير،' قالت بدفا. 'جوعان؟' حس باحراج. 'معايا قرشين بس.' 'مش مشكلة،' ردت حبيبة. 'تعال معايا.' ودته للترابيزة اللي جنب الشباك. الترابيزة اللي عليها اليافطة النحاس. دخلت المطبخ وعملت طبق محترم من شوربة الفراخ بالخضار بتاعت أمي. حطيت عيش سخن وكوباية قهوة. بعدين خرجت كل حاجة بنفسي. الراجل بص لي. 'تقابلنا قبل كده؟' ابتسمت. 'عدينا على بعض في الشارع مرة. كنت طيب بما يكفي عشان تعبرني.' بص بتشتت. واضح إنه مش فاكر. وده تمام جداً. أحياناً أصغر الحركات بتعني أضعاف للي بياخدها مقارنة باللي بيقدمها. رفع معلقته وذوق الشوربة. بعد ثواني، غمض عينه. 'دي تحفة،' همس. 'متشكر،' رديت. 'دي طريقة أمي.' بعدين رجعت للبار تحت صورتها. وأنا بتفرج عليه وهو بيستمتع بغداه، فكرت في الوعد اللي قطعته جنب سرير المستشفى من ثمانية عشرة سنة. لفترة، سمحت للوعد ده يختفي تحت التقارير المالية، خطط التوسع، والأرقام اللي شكلها مبهر. بس دلوقتي، أخيراً، 'الحاجة زينب' بقت المطعم اللي كانت عايزة أبنيه. مكان كل واحد فيه مهم. مكان الكرم مش بيتقاس بالحساب البنكي. ومكان محدش بيضطر يمشي منه جعان. لأن أمي علمتني إن القيمة الحقيقية للبني آدم عمرها ما تتقاس باللبس اللي لابسه، الفلوس اللي في جيبه، أو الوجبة اللي يقدر يدفع ثمنها. النهاية."