فاطمة 8

الفصل الثامن _

________________________________________

أحيانًا يصعب علينا تصديق أفعال من حولنا، خاصة حين يكونون أقرب الناس إلينا، وهذا ما تيقن منه “بلال” في تلك الليلة حين استيقظ من نومه على غير عادته، ليجد والده واقفًا عند فراشه في ساعة متأخرة من الليل.

استغرب وجوده وسأله، بعدما اعتدل في نومته:
في حاجه يا بابا؟

رد “طارق” الذي جلس على الأريكة المجاورة لفراش ابنه:
مخنوق شوية يا “بلال” واتلككت أدخل أوضتك بصراحه علشان تصحى وأتكلم معاك.

تطلع إليه “بلال” باهتمام حقيقي وسأله:
مالك؟

أجابه “طارق” وهو يحاول أن يخفي ما بداخله:
يعني مشاكل في الشغل

ثم اقترح عليه:
تيجي ننزل نلف شوية بالعربية؟

نظر “بلال” إلى الساعه المعلقة على الحائط، ثم عاد بنظره إليه وسأل بدهشة:
دلوقتي؟

_ لو مش حابب بلاش.

خرجت الجملة من “طارق” بنبرة شابها الحزن، فشعر “بلال” أنه لا يستطيع الرفض، وقال:
لا عادي هقوم أغير هدومي وننزل.

ترك فراشه بالفعل، فأخبره “طارق” أنه سينتظره في الصالة، وقبل أن يخرج أكد عليه “بلال”:
بس نرجع علطول يا بابا علشان ماما متقلقش.

أومأ “طارق” موافقًا، ثم غادر الغرفة وانتظره في الصالة.
لم يخرج له “بلال” إلا بعدما قطع ورقة من دفتره وكتب عليها لأمه أنه نزل مع أبيه إلى الأسفل وسيعود سريعًا حتى لا تقلق، ثم ثبتها على دولابه.

بعد دقائق خرج إلى الصالة فوجد والده في انتظاره، وما إن رآه “طارق” حتى نهض وأخذه معه دون أن يضيع ثانية أخرى.

ركبا السيارة وانطلقا، لكن شيئًا ما ظل يثير القلق داخل “بلال”، كانت نظرات والده شاردة، ووجهه خاليًا من أي تعبير، وكأن ذهنه في مكان آخر تمامًا.

ظل يراقبه للحظات قبل أن يسأله من جديد:
مالك يا بابا؟

ثم تردد قليلا قبل أن يستفسر بقلق:
هو أنت وماما اتخانقتوا؟

أسرع “طارق” بالنفي، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة لم تستطع إخفاء الألم الذي خلّفته محادثته الأخيرة معها:
لا متقلقش مفيش حاجه.

ثم أضاف بسخرية مريرة:
أنا وماما بطلنا الموضوع ده من زمان.

شعر “بلال” بالأسى في نبرة والده، فاكتفى بأن ربت على كتفه وتنهد دون أن يجد ما يقوله.
لكن السؤال التالي الذي خرج من فم أبيه كان آخر شيء توقع سماعه:
لو أنا وماما انفصلنا يا “بلال” تحب تقعد مع مين؟

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *