ليالي 2
في المساء..
كان الدوار بأكمله كامل الزينة والأناقة؛ الأنوار تتلألأ والكل يضحك ويشاركون الأغاني الصعيدية الصاخبة، منتظرين ظهور العروسين.
في الطابق العلوي، كان بدر في غرفته مع فهد وياسين يمزحون ويستعدون.
قال فهد ضاحكاً: “شرفنا انهارده يا عريس.”
تكلم ياسين بحدة مصطنعة: “بس ياض.. العروسة تبقى أختي، راعوا مشاعري شوية!”
أما بدر، فكان في عالم آخر تماماً..
متلهفاً وشغوفاً لرؤيتها بفستانها الأبيض وزينتها التي وُضعت لأجله الليلة. لكن فجأة، أتى صوت عقلاني مزعج داخل رأسه يقول:
“متنساش إن كل ده تمثيلية يا بدر.”
أفاق من شروده على شجار ومزاح عنيف بين ياسين وفهد، فنطق بقلة صبر وهيبة:
“أنا حاسس إني قاعد مع عيال أختي.. ما تسترجل ياض منك له عاد!”
أتى وقت نزول العروسين إلى الساحة. نزل بدر أولاً، وارتفعت أصوات ضرب النار الكثيفة في السماء ترحيباً بكبير العيلة. نزلت ليالي بعده بفستانها الأبيض
البسيط وطرحتها الطويلة، ممسكة بيد والدها بقوة وهي تنظر لجموع الناس بخوف وتوتر.
تقدم بدر من والدها واحتضنه باحترام، ثم تكلم الوالد بنبرة مؤثرة:
“أوعى يا بدر تجيلي معيطة في يوم.”
”متخافش يا حماي.. في عيني والله.”
تقدم بدر منها وأمسك يديها برفق، فارتعشت أوصالها وتحدثت بصوت هامس خافت لم يسمعه غيره:
“مكنتش وقعة سودة دي اللي تعمل فيكي كده يا ليالي يا حبيبتي.. أنا اتعملي عمل إيفكورس اتعملي عمل!”
ابتسم بدر على هماساتها الطفولية، واندمجوا مع المعازيم والمباركات حتى انفضّ السامر وبدأ الدوار يهدأ من صخب الأغاني والناس.
تكلمت صابرين وهي تتثاءب بتعب:
“يلا يا جماعة تصبحوا على خير.. ليلة لذيذة والله، نروح ننام بقى.”
ردت الست آمنة: “معاكي حق يا خيتي.. يلا يا بدر، خد عروستك واطلعوا أوضتكم.”
اندفعت ليالي سريعاً بتوتر:
“لأ!.. قصدي ليه؟ خلينا قاعدين شوية مع بعض!”
غمزت لها شمس وقالت:
“أنا ماشية يا عروسة عندي شغل الصبح.. يلا ألف مبروك يا لولو.”
بدأ الجميع بالانصراف صعوداً لغرفهم، وتوجه بدر إلى غرفته الكبيرة وهي تسير خلفه بخطوات متباطئة تكاد تحملها.
دخلا الغرفة، وأغلق بدر الباب خلفهما بهدوء، ثم تقدم منها وعيناه شبه منغلقتين بتركيز شديد.. قال بنبرة دافئة وعميقة:
“أنا شايف حاجة كده مش ولابد مرسومة على رقبتك!”