فاطمة 10

ارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة، ولم تكن سخريتها منه بقدر ما كانت من نفسها، لأنها صدقت وعوده يومًا، ثم أخذت تردد كلماته القديمة:
قولتلي متشيليش هم يا ست أميرة، المرحوم ده كان أخويا مش صاحبي بس، وبالنسبة لـ “جمال” أنا هكلمه يشيل حوار الشقة ده من دماغه، وميزودش عليكي الإيجار كل شوية.

لم تستطع إخفاء المرارة التي تسللت إلى نبرتها وهي تتابع:
قولت ياه ده عبد الكريم طلع جدع وصاحب صاحبه بصحيح، علشان كده لما جيت قولتلي بعد سنوية المرحوم إنك عايزني فكرت

اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها ابتلعت غصة استقرت في حلقها، وأكملت حديثها، مستعيدة الأسباب التي دفعتها إلى قبول الزواج منه:
قولت ده راجل معاه يتامى، وأنتِ كمان ابنك يتيم، اتجوزيه وخدي ثواب عياله مع ابنك، وأهو يرحمك من الشغلانة أم ملاليم اللي بتشتغليها علشان تدفعي إيجار شقة تعبانه زي شقتك، ويبعد عنك عين ده وده.

كان “عبد الكريم” يطالعها بملامح متجهمة، وقد أخذت كلماتها تعيده إلى تفاصيل يعرفها جيدًا، بينما واصلت هي حديثها دون أن تتوقف:
كنت برفض مساعدة نوارة وإيمان وأجوازهم وبقول مستورة، بس ياريتني قبلتها وقعدت في الشقة التعبانة ربيت ابني ولا إني أتجوزك.

_ ياه للدرجة دي؟

سألها بغير تصديق، فأجابته بقهر:
وأكتر، هو اللي أنا شوفته معاك شويه؟

ثم واجهته بكل ما حملته في قلبها طوال سنوات زواجهما، وبكل الوعود التي لم يتحقق منها شيء:
قولتلي هعيشك أحسن عيشة وابنك هو ابني، ومش هتشيلي هم أبدًا طول ما أنتِ في بيتي، ومحصلش

تقدمت نحوه قليلًا، وكأنها تريد أن تجعله يرى بنفسه حجم ما عانته، وقالت:
ده أنا همي زاد لما دخلت بيتك.

لم تحاول إخفاء ما يعتمل بداخلها، ولم تعبأ بنظراته التي ازدادت انفعالًا، بل تابعت:
همي زاد وأنا تايهة ما بين شغل البيت، وتربية الواد، وتربية “راضي” و”رنا” اللي خالتهم كل شوية تاخدهم وتقول إني مش واخده بالي منهم ومبتكملش يومين وترجعهم، وأنت ولا هنا… ده أنا كنت بدعي ربنا كل يوم تفوقلك ساعتين من القرف اللي بيسطلك علشان تشوف الورشة.

ثم مدت يدها وضربت على صدره بخفة، قبل أن تضيف بصوت اختلطت فيه الحسرة بالغضب:
حلق وسلسلة أمي استخسرت أبيعهم علشاني وعلشان ابني، وبيعتهم ليك علشان تكمل على اللي معاك وتفتح ورشتك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *