رساله ج ٤
هز رأسه عدة مرات فنظرت له بطرف عينها فوجدته متجهم الملامح فسألته بتردد زعلت! هز رأسه بنفي ثم قال بنبرة باردة لأ عادي… براحتك. شعرت من نبرته أنه غاضب الأمر الذي أثار سرورها البالغ فهذا إن دل فإنه يدل على حبه لقربها أو ربما يكون قد أحبها بالفعل… يبقى فقط أن يقر بحبه بلسانه قبل أي شيئ. تناول كوب اللبن ثم وضعه على الكومود و هو ينهض الحمد لله… أنا كدا اتأخرت و العربية تحت مستنياني بقالها اكتر من ربع ساعة.
نهضت هي الأخرى لتقف قبالته تتطلع اليه بحزن بالغ لفراقه قبل مقدمة رأسها ثم نظر اليها بحزن و هو يقول مش عارف اذا كنت هعرف اكلمك في التليفون ولا لأ.. لأن الشبكة هناك سيئة و الاتصالات صعبة.. مش عايزك تقلقي و ماما و اخواتي متعودين على كدا و عارفين الكلام دا… خلي بالك من نفسك.. أشوف وشك بخير..
اغرورقت عيناها بالدموع و لكنه لم يستطع أن يصمد واقفا أمامها أكثر من ذلك فحتما ان بقي ثانية اضافية فلن يستطيع تركها بالمرة فذهب من أمامها ليحمل حقيبته على ظهره و يجر الأخرى بيده ثم سار مباشرة الى الباب دون أن يلتفت لها.
بمجرد أن وصل الى الباب نادته بلهفة فاستدار بمواجهتها و ترك حقائبه حين ركضت اليه ليرتد خطوة الى الخلف اثر اندفاعها القوي ناحيته فتعلقت بعنقه فمن ثم احتضنها بقوة نابعة من شدة اشتياقه لها و هو منحني عليها نظرا لقصر قامتها عنه رغما عنها بكت على صدره فحملها ليرفعها قليلا عن الأرض لتكون رأسها بمستوى رأسه فقامت بدورها بډفن رأسها بين رأسه و كتفه و هو يمرمغ وجهه بشعرها يتنفس عبقه و هو يشدد من تطويقه لها و كأنها ستهرب منه…
كان الصمت مخيما عليهما فلم يكن لأي منهما القدرة على التفوه بأي شيئ من فرط المشاعر الجياشة التي غمرتهما.. يعلم جيدا أنه تأخر و لكنه استصعب تركها و كأنها كانت غائبة عنه لسنوات حتى أتته طرقات عالية متتالية على الباب و ريم تصيح بصوت عال أدهم العربية مستنياك من بدري و بټضـ,ـرب كلاكسات بقالها ساعة لما الجيران كلها صحيت. فكت عقدة يديها من حول عنقه لتنزل على الأرض فابتعدت عنه قليلا و هي تنظر له بخجل فأخذ يمسح على شعره و يعيد هندام ملابسه محاولا السيطرة على
موجة المشاعر العاتية التي ضړبت — قلبه حتى جعلت من فراقها أمرا عسيرا للغاية.. هتوحشيني.. قالها برقة متناهية أجفلت منها لترد عليه بنفس النبرة و انت كمان.. ابتسم ثم اختطف قـ,ـبلة من وجنتها و حمل حقيبته مرة أخرى و خرج سريعا قبل أن يعود و يحتضنها مرة أخرى و تركها متسمرة من فعلته و هي تضع يدها على وجنتها موضع قبلته و قلبها يرفرف من السعادة. قام بتوديع أخته و أمه ثم هبط الى أسفل المنزل ليجد السيارة الخاصة بالعمل تنتظره..