رواية جديدة 1-2-3

كان غضبه موجهاً للعالم كله، ولها أيضاً. غضب لأنها عرضت نفسها للخ’طر، وغضب لأنه كاد أن يفقدها. ذلك المشهد… لن يمحى من ذاكرته مدى الحياة. مشهد يد أخيها وهي تمتد نحوها بالإهانة، مشهد والدتها وهي تلفظها بكلمات سامة لقد رأى كل شيء من بعيد قبل أن يقتحم المكان وكم أراد في تلك اللحظة أن يقطع تلك اليد التي امتدت عليها، أن يمحو تلك الكلمات من وجودها. لكن عليه التمهل قليلاً الغضب الأعمى يقود إلى الهلاك أما الغضب البارد، المدروس… فهو الذي يحقق الانتقام. ولن يمر ذلك دون عقاب.

هذا وعد قطعه على نفسه. أما ورد، فكانت غارقة في عالمها الخاص من الألم. كانت تجلس منكمشة على نفسها في مقعدها، تخفي وجهها بكفيها، وجسدها يرتجف لم تكن تبكي فقط بسبب قسوة أهلها، بل كانت تبكي أيضاً بسبب الخوف من صمت سالم صمته كان أشد إيلاماً من أي صراخ. كانت تشعر بغضبه المنبعث منه كموجات حارقة تملأ السيارة. “لقد أغضبته. لقد خذلته. خرجت دون إذنه وعرضته لهذا الموقف المهين”. كانت هذه الأفكار تدور في رأسها بلا توقف.

رفعت رأسها قليلاً، ونظرت إليه من خلال دموعها. رأت وجهه المتجهم، فكه المشدود، وعينيه اللتين تشعان ببريق قاسٍ لم تره فيه من قبل. شعرت بالأسف يلتهمها. لم تكن تريد سوى أن ترى والدتها، أن تودع أخاها، لكنها جلبت العار والخطر لزوجها، الرجل الوحيد الذي وقف بجانبها. أرادت أن تتكلم، أن تعتذر، أن تشرح. لكن الكلمات كانت تموت في حلقها. ماذا ستقول؟ “آسفة”؟ هل تكفي هذه الكلمة لمحو الإهانة التي تعرض لها في عقر دار أعدائه بسببها؟

همست بصوت مبحوح، بالكاد خرج من شفتيها: _ سالم… لم يلتفت. لم يتغير أي شيء في ملامحه الحجرية. لكنه سمعها فقط شد قبضته على عجلة القيادة أكثر، كأنه يمنع نفسه من الرد. كانت هذه هي رحلتهما رحلة صامتة، كل منهما غارق في أفكاره، هو يخطط للانتقام ويصارع رغبته في مسامحتها، وهي تتألم من الخذلان وتخشى عواقب فعلتها. كان الحب موجوداً، يطفو في الهواء الثقيل بينهما، لكنه كان مغلفاً بطبقات من الغضب، والغيرة، والألم، في انتظار اللحظة المناسبة لينفجر.

❈-❈-❈ ما إن توقفت سيارة سالم أمام بوابة السرايا، حتى كان المشهد في انتظاره. لم يكن والده وهدان وأخيه حامد وحدهما، بل كان معهما عدد من رجال العائلة المقربين، يقفون في ضوء المصابيح الخارجية، وجوههم متجهمة وملامحهم قلقة. لقد وصل إليهم صوت إطلاق النار البعيد، وفي عالمهم، هذا الصوت لا يعني سوى شيئين: إما فرح أو شر. والجو العام لم يكن يوحي بأي فرح. ترجلت ورد ودلف بها سالم للداخل ينادي ليل التي هبت مع من في المنزل عندما رأوهم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *