رواية جديدة 1-2-3

مسيطرًا على وضعه عندما تقدم أولاده بالنعش واقفين به أمامه توقفت عيناه على الذي احتوى جسد ابنه فيشرب من نفس الكأس الذي سقاه لغيره من قبل وتساءل هل انقسم قلبه لنصفين كما انقسم قلبه هو؟ هل انشق صدره بلا رأفة كما حدث معه الآن؟ هل تحجرت الدموع بعينيه كما تحجرت بعينه هو حتى تكاد تصيبه بالعمى؟ هل ظل ثابتًا متظاهرًا بالقوة أم رأف حاله به وترك لنفسه ولدموعه العنان؟ لم تعد تلك العصاه تتحمل ثقله وخذلته حينما كادت تهوى به على الأرض لولا يد ابنه

_اجمد يابا انت كبير التهامية وكبير التهامية ميجعش واصل. بأعين واجمة تطلع فايد إلى إبنه فرآى فيهما إصرار يعرفه جيدًا فقد عاشه يومًا في مقتبل عمره لكن وقتها لم يكن يملك ما يخشى عليه لكن الان لديه الكثير ولن يواصل تلك المعركة الخاسرة لأجلهم. سمح ليد ابنه أن تأخذه للداخل وخلفه ابنه المحمول على أكتاف رجال العائلة بدأ النواح من نسوة العائلة ولم يستطيع أحد من الرجال ردعهم صرخات وآلام وحقد أيضًا يلتهم ذلك القلب القاسي والذي لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلاً

كانت الشمس حارقة، لكن البرودة كانت تسري في عروق ذلك الصغير الذي لم يتعد عمره عشرة أعوام. كان يقف وسط جمع غفير من الرجال الذين ارتدوا السواد، وجوههم متجهمة كصخور الجبل، وهمساتهم كحفيف أوراق الشجر اليابسة. كان الحقد يلتهم كل القلوب القاسية التي لا تعرف الرحمة إلى قلبها سبيلاً. وفي المقابل، كانت هناك عيون بريئة، عيون جاسر الصغيرة، التي لا تعرف سبباً لكل ذلك سوى أن أباه قد مات. مات بعد غياب استمر لأربعة أشهر، غياب قيل له فيه إن والده في رحلة عمل طويلة. كلما سأل عنه، كان يجيبه عمه صخر بأن والده “سقط في جحر الثعالب”.

وعندما سأل جدته عن معنى ذلك، كانت تخبره بصوت مرتعش بأن “جحر الثعالب” هو سكن “الرفاعية”. اليوم، عاد والده لكنه لم يعد ماشياً على قدميه، بل عاد محمولاً في صندوق خشبي مغلق. تقدم ذلك الصغير بخطوات مترددة من ذلك النعش، قلبه الصغير يخفق برعب وفضول. أراد أن يرى والده، أن يتأكد أنه هو لكن الصندوق كان مغلقاً بإحكام. _ رايد تشوف أبوك؟

جاء الصوت من خلفه، صوت يعرفه جيداً ويهابه أكثر من أي شيء. صوت عمه صخر اهتزت نظرات جاسر حينما مال عليه صخر، وتابع بصوته الذي يشبه فحيح الأفعى، وهو يضع يده الثقيلة على كتفه الصغير: _ شوفه زين… لأنها آخر مرة هتشوفه فيها. أشار صخر لأحد الرجال، فتقدم وفتح الغطاء عن النعش ببطء. حبس جاسر أنفاسه كان والده مستلقياً بالداخل، وجهه شاحب ومائل للزرقة، وعيناه مغلقتان كأنه نائم، لكنه نوم لا استيقاظ بعده. لم يكن هناك أثر لجرح أو دم، لكن هالة الموت كانت تحيط به.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *