رواية جديدة 1-2-3

نظر إليهم سالم بسخرية لاذعة، وهو يبدأ في التراجع ببطء، ساحباً ورد معه. _ المرة اللي فاتت، سيبنا الحكومة هي اللي ترد… وللأمانة مجصّرتش معانا. بس المرة الچاية… مهيكونش فيها حكومة، ومش هنخلّي واحد منيكم عايش على وش الدنيا. أنهى كلمته الأخيرة كأنها حكم نهائي، ثم استدار بالكامل، وهو يجذب ورد ويخرج من الباب الخلفي، ظهره لهم كان قمة التحدي والثقة. لم يقبل صخر بذلك الرضوخ المهين. صرخ بغضب وهو يهم برفع سلاحه ليطلق النار على ظهر سالم الغادر… لولا أن جسد فايد الضخم قد ترنح فجأة، وسقط على الأرض فاقداً للوعي.

_ أبوي!! صرخ صخر وألقى سلاحه جانباً. انشغل الجميع بالإسراع نحو فايد، يحاولون إفاقته، ثم حمله إلى الداخل. أما في الخارج، فقد خرج سالم بزوجته التي ما زالت تخفي وجهها في صدره، ترتجف من هول ما حدث، ولم ترَ، ولم تعلم، أن والدها قد سقط أرضاً في اللحظة التي اختارت فيها زوجها على عائلتها. ❈-❈-❈ انطلقت السيارة بعيداً عن بيت “التهامية”، تاركة خلفها غباراً من الذكريات المؤلمة والمواجهات القاسية. في الداخل، كان الصمت أثقل من الرصاص.

صمت مشحون بالغضب المكتوم، والخوف الصامت، والأسف الذي لا يُنطق. ظل سالم طوال الطريق ملتزماً الصمت، قبضتاه مشدودتان على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصله، وعيناه مثبتتان على الطريق أمامه بتركيز حاد، كأنه يخشى أن يزيح بنظره ولو لمليمتر واحد في اتجاهها. لم يكن يريد حتى النظر إليها، ليس كرهاً، بل خوفاً. خوفاً من أن تضعفه دموعها، أن ينهار سد الغضب الذي بناه حول قلبه في اللحظة التي يرى فيها انكسارها. لقد أخطأت. أخطأت خطأً فادحاً عندما خرجت دون علمه، عندما ألقت بنفسها في عرين الأفاعي وحيدة.

لن يمر هذا مرور الكرام هذا ما كان عقله يصرخ به يجب أن يكون هناك حساب، درس، عقاب لكن ليس الآن. ليس وهي في تلك الحالة. كان يسمع صوت شهقاتها المكتومة بجانبه، يرى طرف طرحتها يرتجف مع كل شهقة وكل شهقة كانت بمثابة سكين يغرس في قلبه كيف يعاقبها وهي تعاقب نفسها بالفعل؟ كيف يتفوه بكلمة لوم واحدة أمام تلك الدموع التي تكوي روحه بلا رحمة؟ كان يصارع رغبة جارفة بأن يوقف السيارة على جانب الطريق، أن يحتويها داخل أحضانه، أن يمسح دموعها بأنامله ويخبرها أن كل شيء على ما يرام. لكنه لم يفعل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *