رواية جديدة 1-2-3
مال صخر أكثر، وأصبحت همساته السامة تنفث مباشرة في أذن الصغير _ الرفاعية حرموك منيه، وحرموه منك. وهو كانت أمنية حياته يشوفك بتكبر جدام عنيه. هما اللي قت’لوه يا جاسر خدوه من وسط’ينا، وحكموا ’عليه بالمو’’جن زي الكل’اب، وفي الآخر… عدموه. كانت كلمة “عدموه” ثقيلة ومرعبة، لم يفهم جاسر معناها بالكامل، لكنه فهم أنها تعني أنهم أخذوا حياة والده عمداً. أكمل “صخر” بنفس النبرة الحاقدة
_ ملي عينيك منيه زين اشبع من شوفته جبل ما يهملك ويهملنا كلنا ويروح تحت التراب شوف عشان الصورة دي متفارجش خيالك أبداً. شوف عشان لما تكبر، تاخد بتار أبوك من كل واحد فيهم، من كبيرهم لصغيرهم. كان جاسر ينظر إلى وجه أبيه الهادئ، ثم إلى وجه عمه الملتوي بالحقد، وعقله الصغير يحاول أن يستوعب. وقال بصوت طفولي مرتعش. _ بس… بس أبوي مبيقتلش حد. ضحك “صخر” ضحكة قصيرة خالية من المرح.
_ أبوك كان راجل يا جاسر والرجالة بتدافع عن شرفها هما اللي استفزوه، هما اللي قتلوا جدك قبله، وأبوك خد بتاره. بس هما حكومتهم قوية، وقدروا ياخدوه بالحيلة والجانون الظالم بتاعهم. هما اللي بدأوا، وإحنا اللي لازم ننهي. وضع صخر يده تحت ذقن جاسر ورفع وجهه ليجبره على النظر إليه. _ من النهاردة، مفيش لعب، مفيش صحاب، مفيش طفولة من النهاردة، إنت الراجل اللي هياخد بتار “التهامية”. هتتعلم تمسك السلاح، وهتتعلم تبقى جاسي، وهتتعلم إن قلبك ده لازم يبقى حجر.
الرفاعية لازم يدفعوا التمن. ووعد عليا لخليك إنت اللي تاخد التمن ده بإيدك. نظر جاسر مرة أخرى إلى جثة والده، ثم إلى عيني عمه المشتعلتين. في تلك اللحظة، مات شيء بداخل الطفل. ماتت البراءة، ومات الخوف، وحل محلهما بذرة سوداء من الكراهية، بذرة زرعها صخر بمهارة، ورواها بكلماته السامة. لقد فهم جاسر درسه الأول في مدرسة الحياة القاسية. فهم أن العالم ليس مكاناً للضعفاء، وأن العدالة لا تأتي، بل تُنتزع. وفي ذلك اليوم، أمام نعش والده، أقسم قسماً صامتاً، قسم طفل لا يفهم أبعاد كلماته، لكنه يشعر بثقلها.
أقسم أن يكبر، وأن يصبح قوياً، وأن يجعل “الرفاعية” يندمون على اليوم الذي ولدوا فيه. ❈-❈-❈ اهتزت نظراتها وتلعثمت خطواتها عندما اقتربت من منزل عائلتها، ذلك الحصن الذي تركته مرغمة منذ اثني عشر عاماً. كل حجر فيه، كل شجرة في حديقته، كل نافذة مغلقة، كانت تحمل ذكرى وتنبض بحياة قديمة. كانت تعود إليه اليوم ليس كا إبنة، بل كغريبة، كشبح أتى من الماضي ليشارك في عزاء، ليلقي نظرة وداع أخيرة على أخيها.