رواية جديدة 1-2-3

_ معايزش… حد… غير صخر. كانت الكلمات قاسية، لكنها كانت وصية. فهمت ود أن اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت. اللحظة التي ستُقال فيها الأسرار التي دُفنت لعقود، الأسرار التي لا يجب أن تسمعها أذن امرأة. نظر صخر إلى والدته، وبنبرة حاول أن يجعلها هادئة، قال _ اطلعي يا أمّاي… وخديهم معاكي. نهضت ود باستسلام، وجسدها كله يرتعش. ألقت نظرة أخيرة على زوجها، نظرة تحمل نصف قرن من الذكريات والأسرار المشتركة، ثم استدارت وأشارت للنساء بالخروج.

خرجن جميعاً بصمت، كأنهن موكب جنائزي يغادر الغرفة قبل وصول الموت. أغلق صخر الباب الخشبي الثقيل خلفهم، وأدار المفتاح في القفل صوت صرير القفل كان مدوياً في الصمت، كأنه يغلق على سر عظيم. استدار وعاد إلى فراش والده، وجلس على المقعد بجانبه، وانحنى ليسمع. تطلع فايد إلى ابنه، إلى نسخته الأكثر قسوة وشراسة. رأى فيه امتداده، لكنه رأى فيه أيضاً الحقد الذي ساهم هو في غرسه. تمتم بوهن، وصوته أصبح أكثر وضوحاً بقليل، كأن طرد الجميع منحه دفعة من الطاقة.

_ اسمعني زين يا ولدي… ومتجاطعنيش. هتنفذ اللي هجول عليه بالحرف… بس جبل ما تنفذ… لازم تعرف. لازم تعرف الحجيجة كاملة… مني أنا. مش من حكايات الحريم ولا من غُلب تار قديم. صمت فايد للحظة، يلتقط أنفاسه، وعيناه تحدقان في سقف الغرفة كأنه يرى شريط حياته يمر أمامه. _ التار اللي بينّا وبين الرفاعية… أعمق من اللي إنت خابره. أعمق من موت عمك… وأعمق من موت أبو جاسر. فيه سر… سر لو طلع… هيجلب الدنيا كلها. وأني… أني شايله على صدري بقالي عمر… وخايف أموت بيه.

انحنى صخر أكثر، وكل حواسه متيقظة. شعر ببرودة تسري في عموده الفقري. أي سر هذا الذي يجعل رجلاً مثل “فايد التهامي” يخشى الموت به؟ أي حقيقة هذه التي ظلت مدفونة تحت كل هذه الدماء والكراهية؟ لقد أدرك صخر في تلك اللحظة، أن الكلمات التي سيسمعها الآن، ستغير كل شيء، وستعيد كتابة تاريخ العداوة من جديد. ❈-❈-❈ في غرفة جاسر جلست ونس بجوار ابنها الذي مازال يحمل سلاح والده والذي أخفاه صخر يوم الحادث كي لا يساعد الرفاعية في القضية

لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ويستطيع محاميهم بمهارة تقديم كل الإدلة التي جاهدوا لإخفاءها ومنهم الشهود حتى أثبت الواقعة وقضى القاضي بذلك الحكم القاسي من وجهة نظرهم. مدت ونس يدها لتأخذه من يده لكنه رفض بغلظة _لا محدش يمسكه غيري، عمي جالي احتفظ به لحد ما ييجي اليوم واخد به تار أبويا. لاح الرعب بعين ونس وتمتمت بخفوت _بلاش تمشي ورا حديت عمك ياولدي لإن آخرته دمار، واني مليش سند بعديك. رد الصغير الذي يحاول عمه بشتى الطرق أن يجعله نسخة أخرى منه وتحدث بحدة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *