رواية جديدة 1-2-3
دلفت من البوابة الخلفية الحديدية التي أصدرت صريراً خافتاً كأنها تتذكرها وتئن لعودتها. توارت عن الأنظار، وسارت بمحاذاة الجدران، وقلبها يخفق بعنف مع كل خطوة. كان المنزل يعج بالنساء اللواتي ارتدين السواد، أصوات بكائهن ونواحهن المكتوم تختلط مع تلاوة القرآن القادمة من مضيفة الرجال. استطاعت أن تختبئ بين تلك الجموع، وجهها مغطى بطرحتها السوداء، عيناها تبحثان عن وجه واحد فقط بين كل هذه الوجوه الحزينة. وجدتها. كانت تجلس في قلب دائرة النحيب، على الأرض، امرأة قد حفر الزمن والتعب خطوطه على وجهها، وهدّ الحزن كاهلها.
كانت تلك المرأة التي تندب على رأسها بخفة، وتنوح بكلمات غير مفهومة، همهمات ألم كأنها تنعي مصابها وتسترجع كل مصائب عمرها في هذه الجلسة. كانت والدتها. شَعرت ورد بحنين جارف يأخذها إليها، رغبة ملحة بأن تخترق كل هذه الحشود وتلقي بنفسها داخل أحضانها الدافئة، تلك الأحضان التي كانت ملجأها وأمانها. أرادت أن تعوض ذلك الفقد الذي لازمها طوال اثني عشر عاماً من الغربة والوحشة.
تقدمت منها بخطوات بطيئة، كأنها تسير في حلم. تجاوزت النساء الجالسات، ولم يلتفت إليها أحد، فكلٌ غارق في حزنه. جلست أسفل قدمي والدتها، وضعت رأسها على ركبتيها، ودموعها التي حبستها طويلاً انهمرت أخيراً من عينيها، دموع اشتياق وحزن وندم. لم تستطع أن تنطق سوى بكلمة واحدة، كلمة كانت تختصر كل حكايتها. _ أمّاي… كانت الكلمة كهمسة، لكنها اخترقت ضجيج النواح ووصلت إلى قلب الأم. توقفت المرأة عن النحيب فجأة، وتجمد جسدها. لقد فارقها هذا الصوت منذ أعوام، لكنه ظل محفوراً في ذاكرتها، في أحلامها، وفي كوابيسها.
رفعت رأسها ببطء شديد، بتردد دام للحظات بدت كأنها دهر. كل ثانية من هذا التردد كانت تنعش الأمل في قلب ورد. “ستعرفني، ستحتضنني، ستغفر لي”. لكن الأمل لم يدم طويلاً. التقت الأعين. عيون الابنة المليئة بالدموع والرجاء، وعيون الأم التي كانت جافة وقاسية كصخرة. تطلعت الأم إلى وجه ابنتها في وجوم تام، وجوم جليدي أخمد كل دفء في قلب ورد لم تكن نظرة شوق، ولا حتى نظرة عتاب. كانت نظرة غريبة، باردة، تحمل اتهاماً صامتاً.
ثم، تحركت شفتاها، وقالت من بين أسنانها، بصوت حاد كشفرة سكين: _ ليكي عين تاچي إهنه يا فاچرة؟ سقطت الكلمة على ورد كالصاعقة. “فاجرة”. لم تكن تتوقع العتاب، اللوم، حتى الضرب. لكن هذه الكلمة… هذه الكلمة جردتها من كل شيء. تجمعت العبرات في عينيها مرة أخرى، لكنها هذه المرة كانت عبرات انكسار وخذلان. تمتمت بصوت مبحوح، متشبثة بآخر خيط من الأمل: _ أمّاي… أنا وردة… بنتك.