رواية جديدة 1-2-3

_ زهران؟ ظهر الرجل من العدم أمامه، خرج من ظل الإسطبل كأنه كان ينتظر هذا النداء طوال الوقت. انحنى قليلاً في وجل واحترام، فـ جاسر لا يمزح ولا يتسامح مع الخطأ. _ نعم جنابك؟ ترك جاسر لجام الحصان من يده فجأة، ليلتقطه زهران ببراعة قبل أن يسقط. قال جاسر بأمر مقتضب، وعيناه لا تنظران إلى الرجل بل إلى مدخل السرايا _ خد الحصان دخله الإسطبل وخلي فاروق يجهز العربية. _ أمر جنابك.

لم ينتظر جاسر ليرى تنفيذ أمره. استدار ودلف إلى المنزل بخطوات واثقة، كأنه سيد هذا المكان، وهو كذلك بالفعل. وأثناء صعوده الدرج الرخامي الفخم، توقف فجأة عندما جاءه صوت عمه من الخلف، صوت يعرفه جيداً، صوت الحية الرقطاء. _ جاسر. لم يلتفت جاسر بجسده كاملاً، بل أدار رأسه فقط، ووجهه مبهم لا يقرأه أحد. كان هذا جزءاً من اللعبة التي أتقنها معاً. _ ماشي دلوقت؟ رد جاسر ببرود _ إن شاء الله.

تقدم منه صخر بخطوات بطيئة وثابتة، خطوات يعلم تأثيرها جيداً، كأنه صياد يقترب من فريسته، حتى لو كانت هذه الفريسة أسداً مثله. وقف عند أسفل الدرج، ورفع رأسه لينظر إليه. _ زورت جبر چدك وأبوك جبل ما تسافر؟ رد جاسر بمغزى، ونبرته تحمل تحدياً خفياً _ ودي تفوتني برضك؟ ظهرت ابتسامة خفيفة، بالكاد تكون مرئية، على فم صخر ابتسامة رضا الذئب الذي يرى انعكاسه في عيني ذئب أصغر. _ يعني ماشي زين… زي ما اتفجنا؟

نزل جاسر الدرجة التي كان يقف عليها، ليصبح في مستوى نظر عمه تماماً، وتلاقت أعينهما في تحدٍ صامت. ارتسمت على شفتيه ابتسامة مماثلة لابتسامة عمه، باردة وحادة. _ وأكتر كمان بس زي ما عودتني… اصبر تصيب وهي خلاص… جربت. لم يضف كلمة أخرى. لم يكن هناك داعٍ لذلك لقد فهم كل منهما الآخر تماماً استدار جاسر وصعد الدرج إلى الأعلى، متجهاً إلى غرفته في آخر الرواق، تلك الغرفة التي اختارها بنفسه، بعيداً عن الجميع، كنسر يختار عشه في أعلى قمة.

لقد أصبح انطوائياً، لا يريد الاختلاط بأحد، يفضل عزلته وقوته الصامتة. هكذا أراده عمه أن يكون، وهكذا أصبح… أو هكذا أوهمه. دلف إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه. هنا فقط، في مملكته الخاصة، سمح لقناع البرود بالانزلاق قليلاً وجد حقيبته الجلدية قد تم تحضيرها ووضعت بجانب الباب زم فمه باستياء عميق من ذلك التدخل الذي لا تكف عنه شروق لقد نبهها مراراً وتكراراً، وهددها بشكل مباشر ألا تدخل غرفته أو تلمس أغراضه، لكنها لا تستجيب لتحذيراته، وكأنها تستمتع بتحديه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *