رواية جديدة 1-2-3

قبل جبينها مرة أخرى ثم مال على فراشه ليأخذ هاتفه ويضعه بجيب جلبابه _طيب أني خارچ دلوجت ولما أرجع يبجى نكملوا كلامنا. اومأت مرغمة وتطلعت في أثره وهو يخرج من الباب تعلم جيدًا بأنه يتهرب منها لكن ليس بوسعها فعل شيء.. ❈-❈-❈ كان الهواء البارد الذي يسبق المطر يحمل رائحة التراب المبلل ووعداً بعاصفة قادمة في أراضي “التهامية” الشاسعة، كان صهيل الخيل الحاد يدوي في المكان، صوتاً نقياً وقوياً يمزق الصمت كان جاسر على ظهر جواده الأسود “بركان”، وكأنهما كائن واحد، جسد الفارس يندمج مع عضلات الحصان القوية، يوجهه بإشارات تكاد لا تُرى.

اقتربا من ذلك السياج الخشبي القديم الذي يفصل بين الحقول، لم يبطئ جاسر من سرعته، بل همس بكلمة واحدة، وضغط بكعبيه ضغطة خفيفة. استجاب “بركان” على الفور، انطلق كالسهم، ثم قفز من فوق السياج بكل سهولة ورشاقة، هبط على الجانب الآخر بقوة وثبات، وانطلقا معاً من جديد، يسابقان الريح التي بدأت تشتد، وتعبث بشعره الأسود الطويل. لم يعجزه منحدر الطرقات الوعرة، ولا المرتفعات الصخرية التي كانت لتتحدى أعتى الفرسان. بل ظل جاسر يرمح بحصانه دون أن يعرقله شيء، يتنقلان بين الصخور والأشواك كشبح أسود، جزء لا يتجزأ من هذه الطبيعة البرية القاسية.

كانت الشمس غائبة خلف سحابة رمادية داكنة، تلقي بظلال كئيبة على الأرض، وتنذر بهطول وشيك، كأن السماء نفسها تستعد لمشهد درامي. صعد جاسر بـبركان إلى قمة أعلى منحدر في المنطقة، نقطة تطل على الوادي بأكمله هناك، شد لجام جواده بقوة توقف الحصان فجأة، رافعاً رأسه بكبرياء، وملأ الدنيا بصهيل طويل وعميق، صهيل تحدٍ وإعلان عن الوجود. وقف جاسر هناك، صامتاً كتمثال من صخر الجرانيت. كانت نظراته ثابتة، حادة كالصقر، لا تتجه نحو الجبال أو الوديان، بل كانت مصوبة نحو هدف واحد. هناك في الأسفل، تقع سرايا “الرفاعية”.

ذلك المنزل الذي يبدو من بعيد واحة من السلام، بحدائقه وأسواره البيضاء. لكن في عيني جاسر، لم يكن سوى جحر للأفاعي، ورمز للهزيمة والإهانة. تذكر ذلك اليوم بوضوح، يوم وقف على قبر والده، والتراب لا يزال ندياً. تذكر قسمه الذي ألقاه بصوت طفل، لكن بقلب رجل. أقسم أن يجعل هذا المنزل جحيماً ووبالاً عليهم، أن يحرق حدائقهم بنار حقده، وأن يجعل أسوارهم البيضاء تتشح بالسواد. ربما لم يأتِ ذلك اليوم بعد. لقد أجبرته الظروف على مهادنتهم، على قبول صُلح هش، لكن هذا لم يكن سوى تكتيك، استراحة محارب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *