رواية جديدة 1-2-3

ففي داخله، كانت نيران الثأر لا تزال متوهجة، تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر وتحرق كل شيء. هو يعلم أن الوقت آتٍ قريباً. ولن يردعه أحد عما انتوى فعله. لا صُلح، ولا قانون، ولا حتى مشاعره التي بدأت تتمرد أحياناً. سيخمد كل شيء في سبيل تحقيق هذا الهدف. لاحت ابتسامة ساخرة، باردة، على فمه الصلب كصلابة قلبه. ابتسامة لم تصل إلى عينيه اللتين ظلتا تحملان بريقاً جليدياً. ألقى نظرة أخيرة على السرايا، نظرة تحمل وعداً بالدمار، ثم استدار بجواده، وانطلق عائداً من حيث أتى، بينما بدأت قطرات المطر الأولى تتساقط، كأنها دموع السماء الباردة على معركة لم تبدأ بعد.

❈-❈-❈ كانت أبواب المكتب الخشبية الثقيلة مغلقة، تعزل وهدان وسالم عن ضجيج السرايا وحركتها الدائمة. جلس سالم على المقعد المواجه لمكتب أبيه، بهيبة واحترام، واضعاً كفيه على ركبتيه في انتظار أن يبدأ والده الحديث. _ خير يا حچ؟ طلبتني. أخذ وهدان نفساً عميقاً، وأرخى جسده الضخم في مقعده الجلدي الذي أصدر صريراً خفيفاً. مرر يده على ذقنه الكثيف الأبيض، وعيناه تتفحصان وجه ابنه، ذراعه الأيمن والرجل الذي ستقع على عاتقه مسؤولية العائلة من بعده.

شعر بأن ثقل السنين قد بدأ يرهقه، وأن الأوان قد آن كي يضع النقاط على الحروف. قال برتابة وهدوء، كمن يلقي بوصية: _ أنا شايف إن آن الأوان أعرف كل واحد منكم حقه. أنا تعبت يا سالم، ومبجتش جادر أولي كل حاچة بنفسي زي الأول. العمر بيجري، والصحة مبقتش هي. صمت للحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر جدية: _ وبفكر أخليك إنت واصي على أملاك بنات أخوك عامر، الله يرحمه. واللي هياخدوه حج أبوهم كامل مكمل، من أرض وفلوس، كأنه عايش وسطينا بالظبط.

اندهش سالم من حديث والده المفاجئ. لم يكن الأمر مجرد تقسيم للميراث، بل شعر وكأن والده يجهز نفسه للرحيل. شعر بأن وهدان يفعل ذلك كي يضمن حق بنات عامر اليتيمات، وكأنه يخشى عليهن من المستقبل. هذا الشعور أثار في نفسه عتاباً محباً. _ ليه يا حچ بتجول إكدة؟ هو إنت شايف فينا إيه؟ خايف ناكل حج بعض بعد عمر طويل ليك؟ بنات عامر دول بناتي قبل ما يكونوا بنات أخوي. نفى وهدان برأسه مسرعاً، ورفع يده ليطمئن ابنه.

_ لا يا ولدي، حاشا لله. مجولتش إكدة واصل، وأنا خابركم زين، وعارف إنكم سند لبعض. بس كل الحكاية إني رايد أرتاح وأطمن. رايد أعرف كل واحد حقه وهو صاحي، عشان محدش يختلف على حاچة بعدين. وكمان حج بنات أخوك لازم يتصان، وإنت كبيرهم وواعى، عشان إ كده رايد أعملك إنت وصي عليهم. نهض سالم من مقعده، ودار حول المكتب ليقف بجانب والده، ووضع يده على كتفه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *