جديدة جدا 2
فاقت من شرودها على كلمة أبيها المعاتبة بعد مغادرة الجميع:
– أتمنى تكوني ارتاحتي..
رفعت عينيها إليه، خشيت أن تصطدم بنظرة شماتة واحدة، ولكنها لم ترتطم سوى بأمواج عاتية من الحنان أغرقتها بداخلها، ربما شاب تلك الأمواج بعض من العتاب الذي ترامى على الشاطىء ولكن ألا يحق له معاتبتها بعدما باتت مطلقة بسبب معارضتها له؟
نهضت واقفة وسرعان ما ارتمت بداخل أحضانه تختبيء من ظلمات العالم وقسوته، فأغدق عليها بفيض حنانه، وأغرقها حتى كادت أن تطفو فوق سطح الإشباع.
ــــــــــــــــــــــــــ
خفضت شمس أنظارها إلى هاتفها تتصنع الانشغال به فور خروجه من غرفته ليلتحق بباقي العائلة الذين انتشروا يتحدثون بأحاديث عائلية شيقة، تجاذبوا أطراف الحديث إلى أن خاضوا في الحديث عن خطبة أواب الوشيكة ليرتفع صوت الجدَّ وهو يربت على كتف مهدي الجالس جواره يصمت يرافقه كلما استيقظ من نومه إلى أن يألف الأجواء:
– عقبالك يا مهدي.. هتكون فرحتنا بيك كبيرة
قابله الآخر بالصمت الذي ما زال يتشح بثوبه، فكانت والدته أول المتحدثين وهي ترمق شمس بشماتة وكأنها ترد اعتبار ولدها:
-قريب إن شاء الله.. قريب أوي.
انصدم الجميع من جملتها التي يعرفون ما يكمن خلفها جيدًا، حتى ولدها الذي تتحدث عن قرار مهم بحياته فجيءمن قولها، ليرمقها بعتاب التقطته تلك التي فهمت نظرته بطريقة أخرى، اكفهر وجهها بشدة وهي تعتقد أنه يفعل لعدم رغبته في إفشاء أمر خطبته الوشيكة أمامها، تصنعت عدم الاهتمام لخمس دقائق، فقط خمس دقائق ما قدرت على التحمل بهن قبل أن تنهض مغادرة بعدما ودعت جدها الذي عمق نظرته إليها بطريقة جعلتها تشيح بوجهها وتهرب مغادرة، تاركة والدتها التي أخبرتها بأنها ستتبعها لاحقًا.
دمعة حارقة ثارت بها عينيها فور خروجها من باب البيت، فرفعت أناملها وأزالتها بعنف، لمَ تشعر بألم مميت يستقرّ بقلبها الآن؟ أليست هي من أرادت الابتعاد وترجته ليفعل طوال الأشهر المنصرمة؟
دمعة أخرى تبعت سابقتها لتيأس من إيقاف الدموع فتركتها تهرب من حصار عينيها لعلَّ ذاك الثقل يخف قليلًا فتستطيع تحمله. انتبهت إلى توقف إحدى النساء أمامها تراقب دموعها باستفهام وفضول، فكففت دموعها وانتقلت لتجلس في تلك البقعة الفارغة من البشر، البعيدة عن منزل جدَّها إلى أن تستطيع السيطرة على أعصابها والتحكم بدموعها التي تعاندها وتعلن استسلامًا بالوقت الغير مناسب.