رسم 5الاخير
“وانا هثق في واحدة زيك ليه”
تجمدت.. لم يصل لمسامعها سوا شهقة رُبا من خلفها وتجمد هو الأخر.. لا يعرف كيف خرجت أفكاره بغضب على لسانه
أراد الإعتذار.. حقاً أراد لكنها لم تنتظر
إلتفتت بصمت ودموع حبيسة دلفت إلى غرفتها وأغلقتها جيداً من الداخل.
(إنتهى الفصل)
… عرض أقل
– الفصل السادس والعشرون –
فتحت عينيها ببطئ لتجد رجل أمامها يحاول إفاقتها
وعندما وجدها تفتح عينيها هتف بصوته الغليظ
“فاقت ياهانم”
إبتعدت فـ قطبت حاجبيها بدهشة
تنظر ليدها المكبلة
فمها مكموم لا تستطيع الحديث
رفرفت بأهدابها تنظر لتلك الجالسة أمامها بخصلات شقراء مستعارة
لحظات وأستوعبت ما يحدث ف إرتجف جسدها بذعر لتهتف حلا بإبتسامة ثعبانية : خايفة؟!!!.. حقك بصراحة أنا لو منك أخاف
همهمت مريم من خلف اللاصقة فوق فمها ف وضعت حلا سبابتها على فمها : شششش.. أخرسي خالص.. ماحدش هيتكلم هنا غيري
ثم أطلقت قهقهة عالية
“خايف عليكِ وعاملي جو أكشن وحراسة وانا جيبتك في أقل من ثانية تخيلي”
أغمضت مريم عينيها بقوة ف سالت دموعها
“تؤتؤ.. ماتعيطيش.. إنتِ هنا ضيف شرف مش أكتر”
تابعت وهي تعبث بأظافرها
“قوليلي.. عايزة أخد رأيك في حاجة.. تفتكري أوجع قلب زياد ازاي هاا.. أقتلك واتاويكي.. مايعرفش طريقك أبداً.. لا يعرف اذا كنتِ عايشة ولا ميتة ف يفضل عايش ميت
ولا.. أقتلك قدام عينيه واسيبه يعيش بذنبك الباقي من حياته؟؟؟
هااا يالا فكري معايا”
صمتت قليلاً تعبث بالس\لاح بين يديها قبل أن تلتمع عينيها
” جاتلي فكرة أحسن.. إيه رأيك لو أجيبه أكتفه وأخليه يشوفك في حضن راجل من اللي برة دول.. وبعدها أقتلك بردو”
أجهشت مريم في بكاء مرير فأمسكت حلا بهاتفها غير مبالية بها
” إيه رأيك أكلمه دلوقتي ولا أستنى للصبح.. أخليه يتجنن عليكِ شوية”
ثم رفعت أحد حاجبيها وقد أعجبتها الفكرة : بقول أسيبه يتجنن شوية.
***
كان يجلس برفقة عاصم حول طاولة الإجتماعات ينهي بعض الأعمال
صدح هاتفه الموضوع فوق المكتب ف نهض ظناً منه انها هي لكنه وجده بواب البناية ف إنقبض قلبه بذعر
رفع الهاتف بيد مرتعشة إلى اذنه وقبل أن يجيبه كان يهتف الأخر : زياد بيه.. ألحقنا يابيه في ناس خطفوا الست مريم
سقط الهاتف من يده ف اندفع عاصم نحوه بقلق : في إيه يازياد؟؟
إلتفت له بعيون زائغة.. ضائعة
“مريم..”
حرك رأسه متسائلاً : مالها مريم؟؟
ظل على صمته ف أمسك الأخر بذراعه يهزه بقوة : زياد.. فوق بقولك مالها مريم
هرول إلى الخارج بفزع وعاصم خلفه لا يفهم شئ
توقف في منتصف الردهة متذكراً هاتفه
عاد يلتقطه ويعود يركض إلى الخارج بجنون حتماً سيصيبه إذا حدث لها شئ.
***
إستندت على الباب بعد أن أغلقته
تهالكت أرضاً في إنهيار
ودموعها تجري بصمت على وجنتيها..
صدرها تشقه شهقات الوجع ، تشعر بقلبها سينخلع من فرط الألم
هكذا يراها هو!!
كيف تغافلت عن جميع تصرفاته منذ تزوجا
إعتراضه على خروجها بمفردها
غضبه كلما رآها مع أحد..
لم تلاحظ..
كانت بسذاجة تظنها غيرة ، قلق.. لم تتوقع أنه يشك بها
ضربت رأسها بالباب من خلفها
ولم تأبه للطرقات من الخارج وهتاف رُبا بإسمها
نهضت تترنح بجسدها حتى وصلت إلى الفراش
إرتمت فوقه تضم ركبتيها لصدرها
تتكوم حول نفسها وتود لو تختفي..
لا تعلم كم من وقت ظلت هكذا لكنها لم تشعر بحالها سوا وخيط الصباح يداعب عينيها من خلال النافذة
إعتدلت جالسة تتذكر كل ما حدث ثم نهضت تجمع حاجاتها قبل آن يستيقظ أحد وخرجت من المنزل
***
وصلت حيث منزل والدتها لتجدها مستيقظة
ف اليوم عودة أبيها وفي ذلك اليوم دائمًا ما تستيقظ مبكراً وينقلب منزل في حالة طوارئ حتى يأتي هو
كانت إلهام تجلس في البهو وأمامها فتاة تقلم أظافرها
إنتفضت بقلق : إيه اللي رجعك.. وإيه الشنط دي؟؟
تخطتها وصعدت إلى غرفتها بصمت ف صعدت خلفها لتجدها تدثرت في الفراش
اندفعت نحوها هاتفة : إنتِ يابنت بكلمك.. قوليلي في إيه؟؟
إعتدلت جالسة تنظر لها : أنا عايزة اتطلق
شهقت إلهام بعنف : تطلقي.. تطلقي ليه.. عملك إيه فهميني
تجاهلت سؤال بينما تهمس بإقرار : مش هعيش معاه..
هتفت بها مستنكرة : ياسلام.. دلوقتي مش هتعيشي معاه وعايزة تطلقي.. مانا روحي كانت هتطلع عشان اطلقك منه وانتِ ماسكة فيه.. انطقي إيه اللي حصل
ظلت على صمتها فتابعت إلهام ببعض الهدوء : طيب قوليلي.. داسلك على طرف.. مد إيده عليكِ.. يابنتي حرام عليكِ اتكلمي
إنقلبت تعطيها ظهرها وترفع الشرشف لتختفي اسفله
“خلاص ياماما مش عايزة حاجة سيبيني لوحدي من فضلك”
هتفت بنفاذ صبر : بقولك إيه.. أنا هغير واروح اجيب أبوكِ من المطار هو يتصرف معاكِ
إلتوت شفتيها بإبتسامة ساخرة منذ متى ووالدها يتدخل في أمورها
ف هو أكتفى بدور الممول في هذا المنزل منذ زمن.
***
إستيقظت لتجده جوارها لازال نائماً
تعجبت من حالته الهادئة نسبةً لما حدث بالأمس
أم أنه يضمن وجودها لذلك لم يهتف
نهضت تخرج من الغرفة لتجد الغرفة المجاورة بابها نصف مغلق
إقتربت منه ببطئ تفتحه.. تنظر في الغرفة ف لم تجدها
بحثت عنها في الشقة بأكملها ولا يوجد أثر لها
عاد للغرفة تفتح الخزانه ف لم تجد ثيابها
جمعت كل شئ ورحلت
كادت تخرج ف وجدته أمامها ينظر للغرفة بدهشة
ف إبتسمت بسخرية قائلة : إيه كنت فاكرها هتفضل بعد اللي قولته
صمت بغضب ف تابعت وهي تتخطاه للخارج : أنت ضيعتها خلاص ياعُدي انسى انها ترجع.
كانت تلك الحقيقة وسط أفكاره المستنكرة.. هي تحبه وستتقبل إعتذاره وتعود.
***
ولدته تحاول تهدأته.. أروى.. عاصم ورامز..
الجميع حوله وهو يشعر بقلبه يتمزق ألماً
إختفت.. ضاعت من بين يديه وكلما يغمض عينيه يتخليها تحت رحمة تلك المجنونة
لا يعرف ماذا تفعل بها الآن ولا يود أن يتخيل ولكن جملة أروى جعلت الذعر يسير بأوصاله
“ياحبيبتي دي حامل.. ياترى عاملة إيه”
لقد تناسى أمر الحمل..
عند تلك النقطة نهض يندفع للخارج
“انا مش قادر أفضل قاعد كدة”
أمسك به رامز
“استنى يازياد رايح فين؟”
أبعده صائحاً : هدور عليها.. هلف عليها الدنيا كلها..
“كان البوليس عرف طريقها من زمان لو هي بالسهولة دي”
تهدل كتفيه بقلة حيلة ثم تهالك على الأريكة من خلفه واضعاً رأسه بين كفيه
“أعمل إيه.. يارب… أعمل إيه ”
***
جلس على المقعد وأعاد رأسه إلى الخلف بينما من بجانبه لا تصمت ف إلتفت لها هامساً بنعاس : إلهام انا بقالي يوم كامل في الجو وبجد تعبان جداً.. ف لو سمحتي أجلي أي كلام دلوقتي لما نروح وبلاش عصبية هتقلبي العربية بينا
هتفت بغضب : إنت هتفضل لحد أمتى سالت إيدك كدة.. انا تعبت وبنتك هتجنني
أغمض عينيه غير مكترثاً : سيبيها براحتها عايزة تطلق، عايزة تكمل معاه.. براحتها
إلتفتت له مغتاظة : إنت امتى هتشيل المسئولية معايا وتبقى ليها أب بجد.. لينا محتاجاك ياماهر .. انا لوحدي مش كفاية
زفر بضيق : وانا هعملها إيه يا إلهام.. أنا مش مخليها محتاجة حاجة.. اللي بتطلبه بتلاقيه.. أعمل إيه تاني
“وتفتكر دا اللي بنتك محتاجاه.. لينا محتاجة أمان.. سند مش مكنة فلوس”
صاح بها غاضباً : إلهام.. إلزمي حدودك ، دا كل اللي عندي واللي أقدر أقدمه
صرخت بوجهه وقد ضاق صدرها من تلك الحياة
“وانا مش هسيب بنتي تضيع من إيدي بالشكل دا”
لا يعرفا ما حدث بعد ذلك ف قد فقدت تحكمها في مقود السيارة لتنقلب بهم الإثنين.
***
خرجت والدتها وحضر هو.. فتح باب غرفتها دون أن يطرقه وتوقف أمامها بعينين نادمة على ما قاله بالأمس
نهضت من الفراش ودموعها التي ظنت أنها انتهت عادت تسيل من جديد
جففتهم بعنف سائلة : إنت بتعمل إيه هنا؟
كاد يقترب ف فردت ذراعيها تمنعه : ماتقربش مني
أخفض رأسه بأسف
“حاضر.. بس ممكن نتكلم.. إنتِ مشيتي من غير ماتسمعيني”
حركت رأسها بتهكم مؤلم : أسمع إيه تاني… كفاية اللي سمعته إمبارح
رفع عينيه لها : لينا.. والله العظيم كان غصب عني.. ماقصدتش أقولك كدة ، معرفش إزاي قولت كدة
تهدج صوتها في بكاء : بس قولت.. وأنا اتكسرت
شهقت بعنف ثم تابعت : أنا عندي بس سؤال واحد.. انت ليه طلبت نكمل مع بعض لما إنت بتشك فيا.. ليه ماطلقتنيش وسيبتني في حالي.. ليه؟؟؟
“عشان خايف عليكِ.. والله أنا مابشكش فيكِ يا لينا.. أنا بخاف عليكِ بتتعاملي بنية صافية وطيبة مع أي حد وسهل…”
قطع حديثه بأن أخفض عينيه فأكملت نيابة عنه
“سهل يتضحك عليا مش كدة؟ ، بس إنت معاك حق.. أنا غبية وساذجة”
وتابعت بألم يقطر من بين حروفها : في البداية حبيت ابن خالتي اللي متربيين مع بعض في بيت واحد من واحنا بيبيهات لسة.. وثقت فيه وإتعاملت بحسن نية.. ماتوقعتش إنه ممكن يأذيني.. أبن خالتي بحس بأمان وانا معاه ازاي اتوقع انه يضربني في ضهري
وإمبارح إبن عمي…”
إنفجرت في الضحك سريعاً ما تحول لإنتحاب شديد : تفتكر أنا لو ماوثقتش في دول هثق في مين ياعُدي..!! لما يبقى اللي من لحمي ودمي بينهش فيا أثق فـ مين؟؟
اجابها بخفوت : ماحدش يستحق الثقة الكاملة يا لينا
أومأت له بتأكيد : صح.. عشان كدة… طلقني ياعُدي
برقت عينيه بذهول : إنتِ بتقولي إيه !!
“طلقني.. أنا مش هعرف أعيش معاك بعد كدة”
حرك رأسه نافياً : مستحيل.. أنا بحبك
“وانا مش عايزاك”
“مش هطلقك يا لينا”
هتفت بإصرار و حدة : يبقى هخلعك يا عُدي..
رن هاتفه قبل أن يجيبها ف إلتقطه يجيب والدته وعينيه تتسع بصدمة
“إيه.. اتخطفت !!! ، انا جاي حالاً”
إقتربت منه بقلق : في إيه مين اللي اتخطفت
أجابها : مريم
شهقت بعنف وكادت تخبره أن ينتظرها لتأتي معه لكن صوت الخادمة وهي تهتف بإسمها في ذعر جعلها تهرول ناحية الباب تفتحه لتقابلها الأخرى هاتفة بلهاث : مدام إلهام.. وماهر بيه عملوا حادثة وهما راجعين من المطار
***
صدح هاتفه برنين فأنتفض ينظر إلى الرقم للحظات قبل ان يفتحه ف يصله صوتها الذي لم يتغير
” هاي زيزو”
هتف بأنفاس مضطربة : حلا..
“كويس إنك لسة فاكر صوتي”
“فين مريم ياحلا..؟؟”
صدحت ضحكاتها عبر الهاتف : ملهوف عليها قوي.. عموماً انا مكلماك عشان أبعتلك العنوان.. ماتتأخرش يازيزو.. وماتنساش.. مش عايزة أي حد معاك انا مرقباك من ساعة ما هتخرج من بيتكم لحد ما تجيلي ف بلاش تبلغ حد وإلا هتيجي تلاقيها مدبوحة.”
هتف بذعر : لأ لأ.. صدقيني مش هقول لحد
“تمام.. ابقى سيب فونك ”
أغلقت وثواني وبعثت له برسالة بها العنوان لينهض عاصم واضعاً جهاز التتبع أسفل ياقة قميصه
” خد بالك من نفسك واحنا هنكون وراك ماتقلقش”.
***
إنطلقا إلى المستشفى سوياً
جسدها بأكمله يرتجف بينما كان هو جوارها
وصلا إلى هناك ف كانت هي الراكضة وهو خلفها
لم تستطيع التحدث ف سأل هو
“لو سمحت.. في إتنين واحد وواحدة جم في حادثة من شوية؟؟”
أومأ له الرجل : ايوة هتلاقيهم في غرفة العمليات
أسرعا الإثنين في الطابق المتواجد به غرفة العمليات
توقفت أمام الممرضة الأتية من الداخل بوجه شاحب تشعر بلسانها معقود لا تستطيع التفوه بحرف
“من فضلك.. الإتنين اللي جم في الحادثة… ”
لم يكمل حديثه عندما أخفض الممرضة رأسها بأسف : الأستاذ الحمدلله حالته مش خطر قوي
لكن المدام البقاء لله
ماذا حدث؟!!! .. هل إهتزت الأرض من أسفلها
أم ذلك جسدها الذي إختض بفعل الصدمة
قبضت على ذراعه بقوة والكلمة تتردد بأذنيها وأخر حوار بينهم يُعاد بعقلها..
نظرت للأسفل حيث قدميها التي أصبحت كقطعة عجين لينة
تراها تنثني أسفلها.. لم تعد قادرة على حمها
كادت تسقط لكنه أمسك بها
هي لا تشعر بشئ.. هل ذهبت حيث والدتها
أم ما يحدث ما هو إلا غياب وعي مؤقت وستعود
صوته بعيداً يهتف بإسمها بالكاد تسمعه
الظلام يحتل رؤيتها
دقات قلبها تهدر بعنف ف تشعرها بألم حاد بين جنبات صدرها
لحظات وخفت شعورها رويداً رويداً..
لم تعد تشعر بشئ..
رحمها وعيها وغاب من صعوبة تلك اللحظة.
خرج هو الأخر يجر قدميه بصعوبة
تهالك على مقعد بالخارج واضعاً رأسه بين كفيه في إنتظار الطبيب
ماذا لو ذهب أبيها هو الأخر
وقتها ستنتهي للأبد
شعر بدمعة تسقط بين كفيه ف رفع رأسه يجففها ثم أخرج هاتفه يضغط رقم والدته التي هتفت به بغضب : أنت فين ياعُدي..؟
اجابها بنبرة متحشرجة : ماما.. انا في المستشفى.. خالتو وعمي عملوا حادثة.. تعالي من فضلك.
***
وصل إلى المكان المنشود ليجد هناك ثلاث رجال وسيارة
أمسكه أحدهم فحص ملابسه جيداً ثم ادخله بالسيارة وضع غمامة فوق عينيه وهو مستسلم تماماً
ف ذلك ما توقعه..
حلا ليست بتلك الحمقاء التي تعطيه العنوان
لذلك اقترح عاصم فكرة جهاز التتبع
تحركت السيارة بهم
المسافة ليست بعيدة
توقفت وأنزله احدهم ثم تركه عند باب الغرفة ونزع الغمامة من فوق عينيه فأندفع إلى الداخل ليجد مريم جالسة على المقعد.. بفم مكمم ويديها معقودتين أمام صدرها
وتحجب عينيها عن رؤيته.. فإذا كانت ستنتهي الآن فلا تود أن تراه
رفع عينيه لحلا الواقفة خلفها بإبتسامة جنونية وخصلات شقراء مشعثة
تمسك بالس\لاح تقلبه بين يديها
عينيها تقابل عينيه
“زياد.. عاش من شافك”
كاد يقترب ف رفعت الس\لاح تصوبه نحو رأس الجالسة أمامها : خليك مكانك
تراجع ثانية : سيبيها ياحلا.. إقتليني أنا.. أنا قدامك أهو
ضحكت بقوة ثم حركت رأسها نافية
“لأ.. انا مش عايزة أقتلك.. أنا عايزة أموتك بالحياه ، أخليك تعيش باقي حياتك حاسس بالذنب وبتفتكر شكلها وانا بفرتك دماغها بمسد\سي دا”
نظر إلى مريم المستسلمة بملامح تحمل الكثير من الذعر ثم إلتفت لها مجدداً : عايزة إيه.. قوليلي أعملك أي حاجة.. أي حاجة هتطلبيها هعملها
رفعت الس\لاح تدق به جانب فمها بخفة تصطنع التفكير ثم هتفت : طلقها
فتحت مريم عينيها تنظر له فتبادلا النظرات لثواني قطعتها هي بأن صوبت فوهة الس\لاح نحو رأسها
عينيها تلتمع بجنون..
بينما تهتف بإصرار
“ياتطلقها يا هقتلها دلوقتي قدام عينيك”
رفع كفيه يهدأها : حاضر.. حاضر.. هعملك اللي إنتِ عايزاه
ثم أخفض عينيه ينظر لمريم..
نظراته تصرخ بالأسف فـ علمت أنه سيفعلها لينقذ حياتها
لكن ما لا يعلمه أن تلك المجنونة خلفها لا يهمها ذلك الطلاق بل هي تريد أن تؤلمه
“إنتِ طالق يامريم”
رمق حلا بنظرة غاضبة : ممكن بقا تسيبيها تمشي.. ونصفي أي حسابات بينا لوحدنا
أشارت له نافية : تؤ.. أنا لسة ماخلصتش طلباتي
“عايزة إيه تاني؟؟”
سألها بنفاذ صبر فـ تركت جوار مريم وتقدمت منه بتأني تصوب الس\لاح نحو صدره هامسة : عايزة قلبك..
تعالت وتيرة انفاسه ف أشارت إلى مريم : فيها إيه زيادة عني عشان تحبها هي وانا لأ..؟؟؟؟
وأغرورقت عينيها بالدموع : انا.. أنا حبيتك.. حبيتك أكتر منها وكنت مستعدة أديك روحي
حرك رأسه يخبرها : مافيهاش أي زيادة عنك.. بس قلبي حبها هي
إرتعشت إبتسامتها ثم تقدمت من مريم تقف جوارها.. تنظر لها وعينيها تقطر بالذموع بينما تهمس لها بخفوت : قلبه لازم يموت..
رفعت الس\لاح تلك المرة تصوبه نحوه هو..
وقد أدركت انه سبب عذابها..
بقاؤه على قيد الحياه لن يشفع لها حتى لو كان يتألم لأجل حبيبة أخرى
أغمضت عينيها وضغطت فوق الزناد لتخرج الرصاصة ف تستقر في منتصف ظهر تلك التي نهضت في أخر لحظة تقف أمامه ف تصيبها هي بدلاً منه.
(إنتهى الفصل)
– الفصل السابع والعشرون –
ذلك الشعور الملعون عندما تشاهد بعينيك قطعة من روحك تتهاوى أمامك… تصارع الموت فداءً لك
تبتسم برضى على ما فعلت هي لن تتحمل فراقه.
الموت أهون لها من أن تعيش بقيت حياتها دونه
صرخ بإسمها وهي تهوى بين يديه
وعينيه تنتقل بجنون بينها وبين الواقفة جسدها بأكمله يرتجف
“إنتِ عملتي إيييييه”
صرخ بها وعاد ينظر لتلك التي تصارع لتبقى عينيها مفتوحة
احاط وجهها بكفيه هاتفاً بجنون : مريم… مريم.. ليه عملتي كدة.. أوعي تغمضي.. اوعي يامريم.. انا مش هستحمل إنك تسيبيني وتروحي.. مش هستحمل
خرجت كلمته الأخيرة متحشرجة ببكاء ثم نهض يدور حول نفسه في الغرفة يطرق فوق الباب بقوة ف فتح له أحدهم ليدفعه بعنف ويحملها راكضاً إلى الخارج
تخطى البوابة الخارجية عندها لمح سيارة عاصم صديقه تقترب وخلفه الشرطة
توقف عاصم أمامه ف لم يأبه بشئ بل إستقل المقعد الخلفي وهي بين أحضانه تغيب ثم تعود في لحظة
“اطلع على اقرب مستشفى بسرعة”
صاح بعاصم فإنطلق بأقصى سرعة وعينيه على المرآة ينظر إلى صديقه ويشعر انه على حافة الجنون
“إهدى يازياد إن شاء الله هتكون كويسة”
كم هي سخيفة تلك الكلمك.. كيف يهدأ وهي بين يديه متضرجة بدماءها تغمض عينيها في غياب وعي ثم تعود تنظر له بإبتسامة وكأنها تودعه
رفع كفيه يربت على وجنتها برقه يهبط بجانب أذنيها هامساً بغضب : مش هتموتي وتسيبيني انتِ فاهمة.. مش هتموتي يامريم
تدمع عينيه ف تسقط الدموع فوق بشرة وجهها
فـ يتهدج صوته ببكاء : اوعي تسيبيني يامريم.. وحياتي عندك
وجدها تعود لإغلاق عينيها مرة ثانية ف صرخ بصديقه وهو يحركها : بسرعة ياعاصم.. بسرعة
“خلاص وصلنا”
أوقف السيارة ف اندفع زياد خارجها ثم حملها بين ذراعيه وهرول إلى الداخل يهتف بالجميع
أخذوها منه وركضوا جميعاً إلى الداخل
أخذوها منه و تهالك هو أرضاً بقميص غارق بدمائها
عاصم بجانبه لا يعرف ماذا يقول في ذلك الموقف ف جميع الكلمات لا تجدي بشيء.
***
فتحت عينيها وقد عاد وعيها
إلتفتت إلى خالتها الباكية التي تقف على رأسها
إعتدلت جالسة حيث كانت تظن ان ما حدث ما هو إلا مجرد كابوس واستيقظت منه
“ماما فين ياخالتو؟؟”
أجهشت سحر في البكاء ف هي ليست أقل ألماً منها ف قد فقدت هي الأخرى شقيقتها الوحيدة
ربتت على رأسها بحنان متمتمة : ربنا يرحمها ياحبيبتي
أبعدت ذراعها بعنف ونهضت راكضة إلى الخارج
إصطدمت به عند باب الغرفة ف تشبثت بقميصه هاتفة : ماما فين ياعُدي وديني عندها
نظر لوالدته الواقفة خلفها ثم أمسك بيدها : ادعيلها يا لينا
دفعته بقوة صارخة : انت ليه بتكدب عليا.. انا عايزة ماما
سارت مبتعدة عنهم تفتح الغرف بتخبط
تبحث عن والدتها بعقلٍ تائه ف أمسك بها لتعاود دفعه بكلتا يديها.. تضرب صدره وتحاول الفرار
تصرخ بكل عزم.. بألم
“سيبني ياعُدي عايزة أروح لماما”
احاطها بذراعيه ف تهاوت أرضاً تبكي بشدة..
“سابتني ومشيت..سابتني لوحدي..”
دفن رأسها بصدره
“انا جانبك.. مش هسيبك أبداً..”
وكأنها لم تسمعه وأكملت بضياع : سابتني في أكتر وقت انا محتاجاها.. هي ليه بتعمل فيا كدة.. ليه كل ما بحتاجها بتسيبني وتمشي لييييه
رفعت عينيها له تتابع : هو كمان هيسيبني زيها
حرك رأسه نافياً يطمئنها
” لأ.. عمي كويس والله وهيقوم ”
نفت بعنف صارخة : لأ هيمشي هيروح لها.. هو طول عمره سايبني أصلاً
نظر لوالدته بعجز ف لم تعرف هي الأخرى ماذا تفعل
صدح رنين هاتفها برقم أروى ف اجابتها لتهتف الأخرى ببكاء : ماما عاصم كلمني وقالي ان مريم في المستشفى وزياد ضايع انا في الطريق ريحالهم. تعالي ارجوكِ
اتسعت عينيها بصدمة
“إيييه.. أنا جاية حالاً انا جاية”
أغلقت الهاتف ف نظر لها عُدي متسائلاً بقلق
“انا رايحة لأخوك.. مريم ف المستشفى.. انا مش عارفة إيه اللي بيحصلنا دا.. إيه اللي بيحصلنا”
***
جلست تضم بكرها بين ذراعيها
ذلك الرجل على اعتاب الثلاثين والذي تحول في لحظة لطفل صغير يشهق في بكاؤه
تمتمت هامسة ودموعها تنهمر : اللهم اجرنا في مصيبتنا.. اللهم اجرنا في مصيبتنا
إستدارت بعينيها لأروى الجالسة جوارها منذ الصباح وهي تشعر بتعب شديد وقلبها يؤلمها عليها هي الأخرى
خرج الطبيب فأنتفض الساكن بين ذراعيها يركض نحوه ، يسأله عنها بقلبٍ مذعور فـ يجيبه الأخر
“للأسف ماقدرناش ننقذ الجنين”
“مش مهم.. المهم هي.. مريم”
“الرصاصة كانت في مكان حساس جدًا .. بس مش هقدر أقرر دلوقتي غير لما تفوق”
إبتلع زياد لعابه بعسر وسأله بخوف : هو… هو حضرتك شاكك في إيه بالظبط؟؟
أخفض الطبيب عينيه قليلاً ثم عاد ينظر له : الرصاصة صابت العمود الفقري ودا إحتمال مش أكيد انه يأثر على الحركة.. أنا مش عايز أخوفك دلوقتي.. لما تفوق هقدر أحدد
تركه ف تهالك على المقعد يهتف بضياع : مريم إتشلت.. إبني مات.. أنا السبب..
عادت سحر تضمه لصدرها باكية : ماتقولش كدة دا قضاء ربنا.. ماتقولش كدة
***
إستيقظ على صوت صراخ الصغير ف نهض ينظر جواره ولم يجدنها
نهض يخرج من الغرفة ف وجدها تسير في البهو.. تحمل الرضيع بين يديها بين وجهها يبدو عليه الإرهاق الشديد
هي منذ أنجبته لا تنام
لاحظت وقفته ف رفعت عينيها له هامسة بيأس : صحاك
إبتسم وإقترب منهم يطبع قبلة على وجنة الصغير : مش مهم.. هو بيعيط ليه كدة؟
أجابته بتعب : هو على طول كدة يابكر
حاول أخذه منها قائلاً : طيب هاتيه شوية وادخلي إرتاحي إنتِ
“لا لأ.. انت عندك شغل الصبح وهو مش هينام”
“بكرة إجازة يا أسمهان”
أخبرها ف قطبت حاجبيها بتعجب لقد فقدت الإحساس بالزمن والتاريخ : إيه دا بكرة الجمعة؟!!
ضحك بخفة وهو يتناول منها الصغير : لأ.. عيد العمال هاتي الواد وادخلي نامي ياأسمهان إنتِ تعبانة
أومأت له ودلفت ترتمي على الفراش تغط في نوم عميق لساعات وعندما إستيقظت وجدته نائماً على الأريكة في البهو والصغير فوق صدره
جثت على ركبتيها أمامهم.. تنظر لذلك المشهد الذي خطف قلبها
نهضت تحمله برفق حتى لا يستيقظ الأخر.. وضعته بفراشه وعادت بشرشف وضعته فوق الجسد المسجي على الأريكة
لكنه إستيقظ ينظر لها : فين تميم؟
“نيمته في سريره.. شكله تعبك”
حرك رأسه نافياً بإبتسامة : بالعكس.. دا نام بسرعة انتِ اللي فاشلة
ثم جذبها لتسقط فوقه هامساً : وحشتيني
إقترب يقبلها برقة.. وهي مستسلمة له.. تعشقه وتتمنى لو إستطاع النسيان..
لو بإمكانه ان يغفر لها ذلتها
سكنت فوق صدره وعينيها عليه..
أخفض رأسه ينظر لها بدوره : بتبصيلي كدة ليه؟
أخفضت عينيها هامسة : عايزة اسألك على حاجة وخايفة
تنهد بقوة ثم رفع رأسها لتواجهه : انا عارف انتِ عايزة تسألي عن إيه.. أنا مش هبعدك عن ابنك يا أسمهان متخافيش
إعتدلت تنظر له : بجد يابكر..
أومأ لها ف نهضت تقف أمامه : صدقني انا والله مش هضايقك أبداً.. هعيش هنا بس أعمل شغل البيت وأربي ابني مش ها….
أوقفها بأن وضع أنامله فوق شفتيها : بس يا أسمهان.. البيت دا بيتك.. انتِ مراتي
رفرفت بأهدابها بعدم فهم : تقصد إيه؟
زفر بعنف يخبره : ماقدرش أقول إني نسيت يا أسمهان.. بس أنا سامحتك وعندي أمل ان الأيام تنسيني
ثم رفع أنامله يتحسس وجنتها بإبتسامة مكملاً : أو إنتِ تنسيني
قفزت بأحضانه تتعلق بعنقه غير مصدقة.. ثم إبتعدت قليلاً تطبع قبلات متفرفة على وجهه وتهمس بين القبلة والأخرى : والله هتنسى.. هنسيك كل حاجة ، انا بحبك قوي يابكر.
ضحك بقوة : إستني يامجنونة.. عندي ليكِ خبر حلو
لمعت عينيها بتساؤل فتابع : رامز جابلي شغل في شركة إنترناشونال.. وعندي مقابلة يوم الأحد الجاي
أحاطت وجهه بكفيها : إنت تستاهل كل حاجة حلوة يابكر.. بس والله العظيم انا مايهمنيش غير وجودك جنبي وبس
عادت إلى أحضانه مردفة : أنا دلوقتي أسعد واحدة في الدنيا.
***
وقفت بين حشدٍ من الناس
منهم من يواسي وأخر صامت قد أتى فقط ليؤدي واجبه ويرحل
خالتها جوارها باكية تمسك بذراعها وأروى على الجنب الأخر
بينما هي صامتة.. عينيها تنتقل بين الصندوق الخشبي الموضوع فيه جسد والدتها وبين ما يحدث حولها
حيث هناك رجل يقف بجانب القبر يرتل القرآن وأخر يضرب في الأرض بعصا
نهنهات النساء من حولها وشفاقتهم..
وهو بعيداً بين الرجال ينظر لها
عادت بعينيها للصندوق ثم تركت خالتها وتقدمت منه
جثت جواره تحتضنه
“ينفع أفتحه وانام ف حضنك.. ياريتك خدتيني معاكِ.. وحشني حضنك قوي..”
أمسك بها يوقفها ف نظرت له بضياع ثم عادت بعينيها للصندوق..
تحسسته بأناملها هامسة بخفوت : هجيلك قريب..
***
الساعات الماضية كانت أسوء ما مر عليه،، لم يصدق عندما أخبرته الممرضة أنها فاقت
“حمدلله على سلامتك ياحبيبتي”
رفرفت بأهدابها تدور بعينيها في الغرفة
تنظر له هامسة بأسمه.. فـ إقترب منها يربت على خصلاتها : انا هنا يامريم.. حاسة بأيه ياحبيبتي
إستندت على ذراعيها تحاول الجلوس
أمسك بيدها يساعدها ف أبعدته وجذبت الشرشف من فوق قدميها تحاول تحركيهما ولا تستطيع
تمسك بهم بقوة حتى انها غرزت أظافرها بهم ولا شيء.. هي لا تشعر بشيء
رفعت عينيها له صائحة : زياد… أنا مش حاسة برجلي.. زياد
تراجع بذعر ثم خرج يهتف بالطبيب
ف تقدم منها الأخر يكشف عن قدميها يغرز بهم سن رفيع وينظر لها بتساؤل : حاسة بحاجة؟؟
حركت رأسها نافية ودموعها لا تستطيع السيطرة عليها
توقف الطبيب عن ما يفعل ثم إلتفت يخرج من الغرفة ف خرج زياد خلفه
“زي ما توقعت.. إصابة العمود الفقري أدت لشلل في القدم”
اغمض عينيه بقوة متألماً
“بس.. أكيد في عمليه صح.. أكيد في امل انها ترجع تمشي تاني”
ربت على كتفه بمواساة
“إن شاء الله.. هنعمل اشعة ونشوف النتيجة وقتها نقرر إذا كان ينفع أو لأ”
هتف بضياع : هو ممكن ماينفعش.. ممكن ماتقدرش تمشي تاني
أجابه الطبيب بعملية : النخاع الشوكي نخاع حساس جداً.. لو الأصابة قوية هيكون صعب جداً انها ترجع تمشي.
كلمات كانت بمثابة س\كين غُرز بقلبه..
إذا ماذا عنها..
كيف سيخبرها وماذا ستفعل..
عاد إلى الغرفة ينظر لها تحاول النهوض فأسرع نحوها يمسك بها
ف هتفت به باكية : أنا مش هعرف امشي تاني يازياد..؟؟.. مش هعرف أمشي
احاط وجنتيها بكفيه قائلاً : هترجعي تمشي يامريم.. والله هترجعي تمشي.. الدكتور هيعملك شوية فحوصات كدة بس وبعدها هتعملي عملية وهترجعي تمشي تاني
ضمها بقوة.. يحتضنها يقبل خصلاتها
يريد زرعها داخل قلبه حتى لا تتأذى مجدداً ويخشى اللحظات الآتية..
ف ماذا ستفعل إذا اثبتت الاشعة ان لا أمل في عودتها تسير مجدداً !!
***
وقف أمام غرفة مكتبها ينظر لها شاردة تتلاعب بالقلم بين يديها ف طرق الباب لترفع عينيها له ف تقدم
“إزيك ياكاميليا”
أومأت بإبتسامة جاهدت لتخرج : الحمدلله ازيك إنت
“انا كويس ياكاميليا.. انتِ فين.. بكلمك بقالي كام يوم مش بتردي ومش بشوفك”
أخفضت عينيها حيث حاسوبها ثم أخبرته بتوتر : انا بس مشغولة شوية.. زي مانت شايف
نظر إلى الحاسوب المغلق ثم نهض واقفاً
” انا هستناكِ تحت في العربية يا كاميليا خلصي اللي وراكِ وانزلي”
وخرج دون ان يستمع لردها
***
تأخرت بقدر ما إستطاعت وخرجت من الشركة تظنه رحل أو تتمنى ذلك لكنها وجدت سيارته واقفة وهو بداخلها ينظر لها
تقدمت وفتحتها تجلس في المقعد جواره شاردة ف هتف بنفاذ صبر : في إيه كاميليا فهميني.. من يوم ما عملتيلي صور داليا وجبتيها وانتِ متغيرة ودلوقتي بتهربي مني
رمقته بنظرة بائسة : انا مش بهرب.. انا بس متضايقة شوية
“طيب مش إحنا صحاب.. احكيلي في أيه يمكن اساعدك”
زفرت بقوة ثم همست
“انا جايلي عريس”
لم تفاجئه الجملة بقدر ما فاجئه ملامحها المتجهمة ف قطب حاجبيه بإستغراب
“طيب متضايقة ليه فين المشكلة”
إستدارت له بعينين على وشك البكاء : ماما وبابا ومراد شايفينه مناسب ليا.. خصوصاً إنه مش معارض موضوع شغلي.. بس أنا رافضة
حرك رأسه بتساؤل : طيب أنا مش فاهم يا كاميليا انتِ رافضة ليه؟ .. لو كويس زي ما بيقولوا
تحولت ملامحها لغضب ثم صاحت به لا تقدر على الكتمان أكثر : إنت للدرجة دي مش شايفني.. مش حاسس بيا
تغضن جبينه مندهشاً ف مررت أناملها على وجهها بتعب
“أنا تعبت.. تعبت منك ومن قلبي اللي مش عايز يبطل يحبك ، عارفة انه مش ذنبك بس أنا بحبك.. ومابقتش عارفة أعيش بالشكل دا.. جنبك ومش شايف غيرها ، بعمل أي حاجة تسعدك عشان تحس بس هي مسيطرة على قلبك وعقلك..”
إلتفتت تنظر له متابعة : إنت مش عايز تشوف غيرها وانا مش هقدر أكمل في العلاقة دي.. أنا عمري ما شوفتك صديق يايوسف
عُقد لسانه ولم يعرف بما يجيبها.. هجومها شل تفكيره
كان يعلم بحبها لكنه لم يتخيل ان يكن الحب قوياً لتلك الدرجة من الألم
” كاميليا انا… ”
جففت دموعها هامسة : انت إيه؟؟ هتعتذر عشان مش قادر تحبني.. ولا عشان حبيتك
انت مالكش ذنب، بس انا هرحم نفسي اللي بعذبها دي وهبعد يايوسف.. والله العظيم ما قادرة.
إبتلع لعابه بإختناق حتى انه فكك زر قميصه العلوي فـ رمقته بإبتسامة تودعه
“إنت شخص جميل.. يمكن ماكونش انا اللي انت بتدور عليها ، بس نصيحة مني إطلع من القبر اللي دفنت نفسك فيه مع داليا.. لأن بعد عمر طويل هتكتشف انك لوحدك”
ألقت بكلماتها وخرجت من السيارة
تلتقط أنفاسها ودموعها عادت تهطل من جديد
أتلك هي النهاية؟!
بالطبع لا..
فـ هناك فجرٍ من رحم الظلام حتماً سيولد.
***
عاد من العمل على منزل خالته
ذلك المنزل الذي أتشح بالسواد وعم الحزن في جميع أركانه
وجد والدته تجلس في البهو تمسك بمصحفها
ف إقترب منها يجلس جوارها بتعب فـ انتهت ونظرت له ليسألها : فين لينا؟
تنهدت بحزن تجيبه : نامت بالعافية.. ف سيبتها ترتاح
أومأ لها وعاد ينهض
“هطلع اشوفها”
صعد للأعلى حيث غرفتها.. فتح الباب ليقابله الظلام فأقترب من فراشها على أمل أن يجدها
لكنه كان فارغاً
إلتفت حيث المرحاض ليجده مفتوح وهي ليست بالداخل
لم يكن أمامه سوا الشرفة النصف مغلقة ف توجه نحوها ليتجمد في مكانه ويسقط قلبه أسفل قدميه
وهو يجدها تقف أعلى سور الشرفة تنظر إلى الأسفل بينما جسدها يترنح بفعل الهواء
“لينا..”
همس بنبرة مرتعشة ولم تجيبه حتى انها لم تلتفت له وكأنها لم تسمعه فأقترب ببطئ
“لينا انتِ سمعاني”
ظلت على صمتها تنظر للأسفل قدميها مترددة في الإنزلاق تريد أن تهوى.. تنتهي ولا يصبح لمثلها وجود
إستدارت له عندما كان على وشك التقدم
قطب بألم وهو يرى شحوب وجهها وعينيها الذابلة
هاله ما رأى من إستسلام..
ما كانت تخشى فعله مسبقاً ستقدم عليه الآن بدون وعي
نصف إبتسامة إرتسمت وماتت قبل أن يلمحها
“انا بحبك قوي” همستها بضعف فأجابها : انا كمان والله العظيم بحبك قوي.. بس إنزلي يا لينا عشان خاطري
حركت رأسها نافية : لأ.. انا أخيراً هرتاح
مد يده المرتعشة لها : هعملك كل اللي هيريحك.. بس الموت عمره ما كان راحة
“انا هروح لها.. هي وحشتني.. وهو كمان هيجيلنا.. هنعيش مع بعض كلنا هناك ، ومش هيسيبوني لوحدي تاني”
سقطت دموعه رغماً عنه
“لينا والله العظيم عمي ماهر فاق وبيسأل عنك.. تعالي يالينا.. تعالي نروح له المستشفى يالا”
صرخت به : لأ.. انت بتكدب عليا.. هو مات.. راح عندها وانا هروحلهم
وإستدارت مرة ثانية وقد حسمت قرارها
أغمضت عينيها ومالت للأمام لتجد انها بدلاً من ان تهوى عادت للخلف بفعل ذراعيه التي احاطت بها
سقط وسقطت فوقه ف إعتدل هو أولاً ثم جذبها يأخذها كلها بين ذراعيه
يقبل خصلاتها ودموعه تنهمر حزناً عليها بينما شفتيه تتمتم بلا توقف
“أنا آسف .. حقك عليا أنا.. آسف ليكِ عن أي اذى اتسبب فيه اي حد.. آسف عن كل الوجع اللي عشتيه.. آسف”
ظل يعتذر.. يربت.. يطمئنها ويهمس لها انه جوارها.. لن يتركها.. انها ليست وحيدة
حتى غفت.. ذهبت في سبات غاب عنها منذ فترة ف نهض يضعها في فراشها برفق ثم شاركها إياه.. وضع رأسها فوق خافقه واحاطها بذراعيه
ظل يتأملها.. ويتذكر أيامهما سوياً
منذ كانت صغيرة للغاية بخصلات سوداء تصل إلى ركبتيها
تركض في منزلهم الواسع تملئه صخب وسعادة بشقاوتها ودلالها
ورغم انه يكبرها بعامين فقط لكنه يتذكر كل شيء
تلك الصغيرة التي تركتهم أمه لأجلها
حيث كانت تفرط في دلالها وتخبرهم انها ابنتها التي لم تنجبها
تهمله هو وتوأمه لأجلها
يتذكر انه كان يغار منها وينعتها بالسنتي ونصف التي جاءت لتشاركهم حضن أمهم
لازالت كما هي.. صغيرة وهشة للغاية
طبع قبلة على رأسها وأغمض عينيه هو الأخر.
***
إستيقظت على صوت والدها..
نهضت من الفراش راكضة للخارج ف قابلها عند باب الغرفة
نظرت لجبينه الملتف بلاصقة بيضاء وذراعه المجبر
رفعت أناملها تتحسس ذراعه ثم نظرت له سائلة ببكاء : انت كويس؟
أومأ لها وجذبها بذراعه السليم داخل أحضانه ف تابعت بحشرجة : ماتسيبنيش
أبعد ينظر لوجهها الغارق بالدموع.. رفع أنامله يجففه برقة
“عمري ما هسيبك تاني يا قلب بابا.. والله ما هسيبك أبداً”
***
هرول داخل طرقات المشفى يبحث عن غرفتها
لقد هاتفته والدتها تخبره أنها تضع مولودهم
لم يشعر بنفسه سوا وهو يقفز بسيارته ويقودها بجنون
وجد والدتها وزياد يقفان عند باب الغرفة ف إندفع نحوهم سائلاً بقلق : أروى فين.. فين أروى؟؟؟
رمقه زياد بغضب بينما اجابته سحر
“إدعيلها يافؤاد ربنا يقومها بالسلامة”
تقدم من الغرفة التي دخلتها منذ دقائق.. توقف امامها مستنداً على الجدار
يراجع كل ما عاشه دونها..
بل الأصح.. هو لم يعيش دونها.. كان تائه يبحث عن مرساه ولا يدرك انها هي المرسى
حبها وقلبها المعطاء.. كيف اضاع كل ذلك من يده
ضرب الحائط بقبضته
يلوم نفسه.. ما كان عليه أن يتركها بمفردها
لكنه يدرك جيداً انه ما كان ليشعر نحوها بكل هذا الحب إلا عندما إبتعد واكتشف انه لا شيء دونها
خرجت الممرضة ف كان هو أول من إندفع نحوها لتعطيه الصغيرة قائلة : تتربى في عزك بنت زي القمر
رمقها وهي بين يديه
فتاة..!!! ألم تخبره انه صبي
حتى انه استمع لها واختار له الإسم كما تمنت
إنتهى من تأمله لتلك الوردية الصغيرة على خروجها هي الأخرى من غرفة العمليات
إبتسمت له بوهن عندما رأته
سار خلف الفراش المتحرك والصغيرة بين يديه
إستقرت أروى بالغرفة وخرجت والدتها وزياد بعد ان اطمئنا عليها
تقدم منها يضع طفلتهم بين ذراعيها
“مش كنتِ بتقوليلي انه ولد.. طلعت بنت”
ضحكت بتعب : انا اتفاجئت زيي زيك بالظبط والله.. الدكتورة كانت بتقولي ولد
تحسس خصلاتها : مش مهم.. المهم إنك قومتي بالسلامة
سقطت دمعة من عينيها ثم همست بإشتياق : وحشتني قوي يافؤاد
إقترب يطبع قبلة فوق جبينها : وانتِ كمان وحشتيني قوي.. خلاص أنا مش هسيبكم تاني
“بجد!!”
همست بشك ف أومأ لها ثم أحاطهم الإثنين بين ذراعيه
“انتوا حياتي الجديدة اللي انا بعدت عشانها يا أروى.. انا بحبك.. بحبك وبقولهالك وانا حاسسها”
ثم أمسك بيدها يضعها فوق خافقه متابعاً : حاسة بدقات قلبي.. شايفة هيتجنن عليكِ إزاي
جذبت رأسه تقبل شفتيه بإشتياق..
بحب احتل قلبها منذ أول يوم رأته.
***
دلف عليها الغرفة ف وجدها تخرج من المرحاض
إقترب منها مبتسماً
” عامل إيه النهاردة؟ ”
أجابته بخفوت : الحمدلله..
كادت تتخطاه لكنه أمسك بها يوقفها امامه سائلاً : إيه حكاية السفر اللي عمي بيقول عليها دي
تنهدت هامسة : هسافر معاه
قطب حاجبيه
“أفهم من كدة..”
قاطعته بقولها : انا مصممة على الطلاق ياعُدي
أحاط وجهها بكفيه هامساً بكل صدق العالم : أنا بحبك يا لينا.. خليكِ معايا
حركت رأسها نافية وحاولت الإبتعاد عنه لكنه تمسك بها.. لن يفلتها قبل ان تتراجع عن ذلك القرار المدمر لقلبه
“مش هتقدري يا لينا.. مش هتقدري تكملي من غيري.. قلبك دا مش هيحب غيري..”
همست بضعف : عمره ما هيحب غيرك
إلتقط شفتيها في قبلة عميقة .. مشتاقة
بادلته إياها بسخاء ف حملها يضعها في الفراش يهمس لها بعشقه ف تذوب
تبادله الهمسة بأخرى.. اللمسة بمثيلتها حتى سقطت في نومٍ عميق وإبتسم هو برضا ظناً منه انها تراجعت
لكنها إستيقظت في الصباح
طبعت قبلة فوق وجنته وخرجت لتجد والدها في الحديقة
“صباح الخير ياحبيبتي”
“صباح النور يا بابا.. بعد أذنك ممكن تجيب مأذون”.
***
إستيقظ هو الأخر ف لم يجدها جواره..
إرتدى ملابسه وهبط للأسفل ليجدها في الحديقة في إنتظاره
تقدم منها بإبتسامة : صباح الخير ياروحي
وقبل أن تجيبه كان والدها يدلف من باب الحديقة يهتف بها : المأذون وصل يا لينا
وخرج لينظر لها هو بصدمة : مأذون !!!
أومأت له ثم إبتلعت لعابها بعسر : أيوة ياعُدي.. هنطلق
زفر بنفاذ صبر هاتفاً : ليه يا لينا.. أنا بحبك..
“وانا كمان بحبك.. بحبك قوي، بس مابقاش ينفع أعيش معاك”
مرر أنامله بخصلاته بعنف حتى كاد ان يقتلعها : لو عشان اللي انا قولته فـ انا..
وضعت يدها على شفتيه : مش بس عشان الكلام اللي انت قولته.. في حاجات كتير قوي غلط ياعُدي.. البداية غلط وحياتنا سوا كانت غلط.. بس للأسف انا فهمت دا متأخر.. حبي ليك خلاني انانية وعايزاك.. كنت كتير قوي بفكر بشر.. وبتمنى من جوايا انك تطلقها عشان ترجع ليا لوحدي
حرك رأسه بقوة نافياً فتابعت : لو بتحبني بجد ياعُدي طلقني.. ارحمني وسيبني أمشي
اغرورقت عينيه بالدموع : للدرجة دي وجودك معايا معذبك
سقطت دموعها هي الأخرى : معذبني ومعذبها ومعذبك إنت كمان.. تعالى ننهي العذاب دا واحنا بينا حاجة حلوة
رمقها بألم فتابعت : انا هفضل مديونة ليك طول عمري
“يعني كدة خلاص.. دا قرارك يا لينا؟”
أومأت له فأقترب منها.. طبع قبلة طويلة على جبينها ثم إلتفت إلى الداخل جلس بجانب أبيها يستمع إلى كلمات المأذون وعينيه عليها
يتشبع من رؤيتها.. يعلم انها بمجرد أن تنتهي عدتها سترحل.
***
إنتهى كل شيء.. ألقى بيمين الطلاق ووضع إمضته ثم تركهم ورحل.. دار بسيارته في الطرقات دون واجهة ثم ذهب إلى منزله بوجه بائس كمحارب نال هزيمته في معركةٍ ما
دلف إلى الشقة التي أضحى لا يأتي لها سوا قليلاً
أغلق الباب وتوقف ينظر إلى كل ركن بها..
لقد تركت بصماتها في كل مكان حتى رائحة عطرها لازالت تعبئ الهواء من حوله
مرر أنامله على وجهه بتعب ثم تغضن جبينه بقلق وهو يستمع إلى صوت الأخرى يأتي من المرحاض
هرول إليها ليجدها تجثو على ركبتيها تفرغ ما بجوفها
إندفع نحوها يبعد خصلاتها عن وجهها
“رُبا.. رُبا إنتِ كويسة.. في إيه؟؟”
رفعت عينيها له ثم نهضت تغتسل وعادت تتهالك على حافة المغطس ف أعاد سؤاله وقد وصل قلقه لأقصاه
“مالك.. فيكِ إيه؟”
وضعت يدها على بطنها ثم أخبرته بإبتسامة لم تستطع إخفاؤها : أنا حامل
ابتسم هو الأخر بسعادة : بتتكلمي بجد.. عرفتي إمتى؟؟
أجابته : إمبارح وانا عند ماما
جذبها بين ذراعيه ثم قبل جبينها متمتماً : مبروك ياحبيبتي..
“مبروك علينا ياعُدي.. انا فرحانة قوي”
أومأ لها ثم حملها للخارج.. وضعها على الأريكة وجلس بجانبها ف سألته : لينا عاملة إيه؟
اخفض عينيه يجيبها : الحمدلله..
ثم نظر لها متابعاً : إتطلقنا من شوية
لم تتبدل ملامحها وكأنها كانت تعلم ان تلك النهاية المناسبة لحكايتهم
أبتلع لعابه يكمل : عدتها هتخلص وهتسافر مع باباها
ربتت على كفه بحنان : ربنا يسعدها
أومأ لها ثم دار بعينيه في المكان
“إيه رأيك لو غيرنا الشقة”
ألقت برأسها على صدره : ياريت ياعُدي
ضمها له أكثر..
هي قدره المحتوم وحبيبته.. أم إبنه حتى لو أخذت الأخرى نصف قلبه ورحلت.
***
وقف الطبيب عند قدميها يختبرها..
يحركها ولا إستجابة
كان قد خرجت من غرفة العمليات للتو.. بعد أن وجد الطبيب أمل طفيف في إعادة سيرها من جديد
لكن ها هو الأمل يموت بعينيها وهي تجده يحرك رأسه بأسف
خرج من الغرفة ف نظرت لزياد بعينين دامعة : طلقني
جلس أمامها على الفراش
“مستحيل”
حركت رأسها بيأس هامسة : الدكتور بيقول مافيش أمل
احتضنها بشدة : مش هسيبك
إبتعدت ترمقه بوجع : هتزهق ومش هتقدر تعيش مع واحدة عاجزة ووقتها لو سيبتني هموت
جفف دموعها بحنان ثم اخذ يطبع قبلات ناعمة على وجهها
“إنتِ حبيبتي.. عمري كله يامريم.. تفتكري ممكن اسيبك عشان كدة”
هي قلبه.. عمره بأكمله.. لا يمكن للكلمات أن تصف مكانتها بحياته.
***
جلست بجانب والدها في المطار في انتظار موعد طائرتهم المتوجهة إلى مطار ڨيينا
عينيها غائمة بالدموع
ودعت الجميع إلاه حتى انها تركت لخالتها مظروف تعطيه لـ رُبا
لم تقوى على مواجهتها ف افضت بما في جعبتها على ورقها علها تريحها
اخرجت هاتفها وفتحت حسابها الشخصي على الفيس بوك
” Goodbye Egypt forever ”
جملة دونتها قبل ان تغلقه تماماً وتغلق هاتفها هو الأخر
تنهي كل صلة لها بذلك الوطن..
إستمعا إلى نداء الطائرة ف وجدت والدها ينهض يحيط كتفيها بذراعه : يالا ياحبيبتي
نهضت معه تجر حقيبتها خلفها..
تلقي خلفها جميع الخيبات..
وأخرى دهستها الحياة مراراً..
بينما كانت رُبا جالسة تمسك بيدها الخطاب المبعوث منها
تمر بعينيها فوق الحروف بإبتسامة حزينة
“رُبا.. ابقى بكدب عليكِ لو قولتلك انك مش وحشاني.. وحشاني كل تفاصيل حياتنا سوا.. كلامنا طول الليل ف الفون.. صداقتنا.. وتمسكنا ببعض رغم إختلاف شخصياتنا
كنت دايماً بحس انك أمي لما تنصحيني وتزعقيلي لما أغلط وانا بعاند واعمل الغلط..
خليني ادخل ف المهم.. كان نفسي اودعك بس ماقدرتش.. يمكن يجي اليوم اللي ارجع واكون شخص تاني واقدر اقف قدامك واقولك الكلام دا وتكوني وقتها انتِ كمان صفيتي .. أنا بس عايزة اتأسفلك عن كل الوجع اللي اتسببت لك فيه.. آسفة إني جرحتك
هيفضل جوايا جزء ليكِ مافيش حد هيوصله ، بحبك”
(إنتهى الفصل)
– الخاتمة –
أين نحن الآن وكيف أصبحنا
هل إنتهت الرحلة
لا ليس بعد..
هناك الكثير من الحكايات لازال لها بقية
– مستهل من الجزء الثالث –
توقف عند باب الحديقة ينظر إليها تمسك بكتاب بين يديها تقرأه ووالدته جوارها على الأريكة تعبث بهاتفها
إقترب بإبتسامة يطبع قبلة على رأسها
“عاملة إيه ياحبيبتي؟”
سألها ف أومأت له : الحمدلله
جلس على المقعد حائراً.. يريد إخبارها بما في جعبته ويخشى غضبها ف هي بعد مرور خمس سنوات ملت الحياة بأكملها
حتى ان ضحكاتها إختفت.. بالكاد تتحدث معه
بعد مرور خمس سنوات من علاج وعمليات لم تجدي بشيء فقدت الأمل في ان تعود لتسير على قدميها مرة ثانية
تنحنح فألتفتت له والدته بينما هي ظلت على حالتها عينيها مصوبة على الكتاب
إبتلع لعابه بعسر هامساً : مريم.. كنت عايزك في موضوع
نظرت له بجمود تنتظر باقي حديثه ف تابع : في دكتور كويس قوي كلمته و….
“لأ..”
قاطعته بهتافها المعترض.. يكفي عذاب..
لا تريد للأمل أن ينال منها ثم تأتي كلمات طبيب آسفة تخبرها أن العملية فشلت
“لأ يازياد.. كفاية ، كفاية دكاترة.. كفاية علاج.. أنا تعبت”
إقترب يجثو أمامها على ركبتيه.. يضم يدها بحنان : عشان خاطري يامريم.. اخر مرة وصدقيني مش هطلب منك تاني.. خلينا نحاول
“كل مرة تقولي آخر مرة.. إيه زهقت مني ولا حاسس بالذنب.. ماتقلقش أنا مش هشيلك أي ذنب أنا اللي عملت في نفسي كدة”
أبعدته عنها وسارت بالمقد المتحرك للداخل ف وقف يتابعها والألم جلياً على وجهه ف ربتت والدته على كتفه هامسة : ماتزعلش منها ياحبيبي.. أعذرها
إستدار إليها يحرك رأسه بقلة حيلة : أنا متكتف يا أمي.. ياريتها ما كانت وقفت قدامي ياريت الرصاصة كانت جت فيا وموت ولا إني أشوفها بالشكل دا.
***
جلسة تصوير مملة لعروسين مملين اخرجوها عن شعورها
بمجرد أن انتهت خرجت من المكان تزفر بضيق وغضب من شقيق العريس ذلك الأحمق الذي إلتصق بها عمداً بل ويمطر عليها كلمات الغزل ظناً منه أنها حتى ستبتسم له
غضب تكبحه حتى لا تتسبب في كارثة
إلتقطت أنفاسها بصعوبة
ثم أغمضت عينيها تترك للهواء أن يداعب خصلاتها القصيرة
“كاميليا”
إلتفتت بدهشة : فراس.. بتعمل إيه هنا؟؟
تقدم منها بإبتسامته الهادئة : عرفت انك قريبة مني ف جيت أشوفك.. بس كلمتك كتير ماردتيش
مررت أناملها بخصلاتها تساويها وهي تجيبه : الموبايل ف العربية
أومأ لها متفهماً
“شكلك متضايقة.. حصل حاجة؟”
إبتسمت بإجهاد : مافيش حاجة بس زي ما تقول تعبت من التنطيط هنا وهنا.. بفكر أخلي شغلي للشركة وبس
“بيتهيألي اللي زيك مابتعرفش تشتغل في مكان واحد”
ضحكت بخفة : أنا فعلاً كدة..
ثم أشارت للزفاف من خلفه : بس بعد الفرح دا خلاص كدة مش هعملها تاني.. طلعوني عن شعوري منهم لله
قهقهه بقوة : طيب بقولك إيه ماتيجي أعزمك على بيتزا
“ياااريت يافراس.. انا جعانة موت”
خرجت معه لحيث سيارته إستقلتها جواره وقبل أن يقودها إلتفت لها يخبرها بما أتى لأجله
“كاميليا.. أنا بجدد عرضي تاني النهاردة.. أنا عايز اتجوزك”
***
خرجت من الغرفة بعد ان وضعت صغيرها في فراشه
أبنهم الذي أتى قبل ثلاثة أعوام ف حملها الأول لم يكتمل
رمقت جلسته على الأريكة بغضب ثم إقتربت تقف أمامه تضم ذراعيها لصدرها هاتفة : طلقني ياعُدي
أومأ لها وعينيه لازالت مصوبة على الحاسوب امامه : حاااااضر من عينيا أول ما النهار يطلع هطلقك على طول
ثم إلتفت إلى غرفة صغيره ف وجدها مغلقة
وضع الحاسوب جانباً ورفع عينيه لها بإبتسامة عابثة ويربت على قدمه
“ما تيجي..!”
رفعت أحد حاجبيه باعتراض ف علم أنها غاضبة ولن تأتي
نهض واقفاً يخلع قميصه القطني متابعاً : أجيلك أنا..
جذبها من خصرها بشدة فأصطدمت بصدره
“بقولك إيه.. ما تاخدي إجازة من النكد النهاردة وتعالي نخاوي زين”
دفعته ليبتعد عنها : مانت مش فالح غير في السفالة دي
عاد يقترب منها هامساً : هو في أحلى من السفالة وقلة الأدب بزمتك
وكاد يتناول شفتيها في قبلة يتمنى لو لم تنتهي ف هو يشتاق وهي تمتنع
دفعت بكتفيه ليبتعد هاتفة : ماينفعش ياعُدي
رمقها بضيق لتتابع : أنا out
وتركته لتدلف إلى غرفتهم ف تهدل كتفيه بإحباط وعاد يرتدي قميصه متمتماً : إنتِ out من يوم ما خلفتي يا رُبا
ثم توجه إلى الشرفة أخرج لفافة أشعلها وظل شارداً في الفراغ المظلم أمامه ينفث دخانها بهدوء
يحرقها ويحترق بها
إهتز هاتفه في جيب سرواله ف أخرجه ينظر لتلك الرسالة
“وحشتني قوي.. ماتتأخرش بكرة”
إلتوت شفتيه بإبتسامة و بعث لها بوجه يحمل قبلة ثم حذف الرسالة نهائياً
***
بخطوات مترددة وصل إلى عيادة الطبيب
تلك الخطوة ما كان ليقدم عليها..
لكن العالم أجمع يحثه على اخذها
أملى السيدة بالخارج أسمه وجلس في إنتظار موعد دخوله
يراقب باب الغرفة يُغلق ويُفتح كل بضع دقائق
حتى جاء دوره..
هتفت بإسمه ف نهض يسير ببطئ إلى الداخل
لولاها ما فعل..
لكن كيف للحياة أن لا تسير دونها
الأيام اصبحت روتينية.. ولا تشبه شخصه القديم
هو يريد العودة لذلك العابث.. ذو الملامح الضاحكة على الدوام
يريد العودة ليحصل عليها..
هي تستحق قلباً كاملاً وليس فتات
جلس أمام الطبيب الستيني يعرف بنفسه : يوسف مختار
***
العسر دائماً ينتهي ليتبعه اليسر
والليل يذهب فيأتي الفجر محملاً بعبق الأمل والحياة
لم تكن تتخيل ان تتجاوز كل ما حدث ..
كل سقطة كانت قادرة على قتلها لكنها قاومت وعادت تشرق من جديد
خمس سنوات مرت وها هي تجلس في قاعة المطار الدولي بمدينة أثينا تحتسي قهوتها الصباحية منتظرة طائرتها المتجهة إلى ڨيينا حيث منزلها الحالي ووالدها الذي اشتاقته.
فـ هي منذ ما يقارب الشهر لم تذهب إلى ڨيينا
حيث كان الطيران مُعطل بفضل الأحوال الجوية السيئة
فـ ظلت بالعاصمة اليونانية تتمتع بأجوائها الهادئة
لقد نالت سلامها أخيراً..
تنتقل من دولة لأخرى مثل الطائر الحر
تدور حول العالم
تحلق في سماء الدنيا ولا تأبه بما يحدث على أرضها.
نهضت عندما إستمعت لنداء الطائرة حيث هي اليوم ستستقلها ليست كمضيفة بل ستجلس في مقعد الركاب منذ خمس سنوات منذ تركت مصر إلى النمسا
سارت بهدوء تجر حقيبتها خلفها قبل ان يوقفها النداء المتسائل من خلفها.. نداء بأسمها ! .. وبلهجة مصرية !!
” لينا؟!! ”
إستدارت لذلك الواقف يرتدي زي طيار
أمعنت النظر بوجهه لكنها لم تتعرف عليه
ظلت مكانها ف أقترب هو يتفرس ملامحها
“إنتِ هي بجد.. ماكنتش أتصور اني ممكن أشوفك تاني وهنا.. في اليونان!!! ”
قطبت حاجبيها بتساؤل : إحنا نعرف بعض؟؟
“إنتِ مش فاكراني!!”
كتفت ذراعيها قائلة : مش واخدة بالي
تراجع يتنحنح بإحراج
“إيه الإحراج دا”
زفرت بضيق هاتفة : إنت هتقول إنت مين ولا أمشي
رفع كفيه امامه : إهدي.. انا ماجد.. أخو ميرنا صاحبتك.. شوفتك في الجامعة مرة و…
تغضن جبينها فـ ظن انها تحاول التذكر لكنها بالأساس لم تكن تتذكر من هي ميرنا !!!
“اااه ميرنا إفتكرتها”
رفع حاجبيه بصدمة : انتِ كل دا بتحاولي تفتكري ميرنا
“بس انا مش فاكرة إني قابلت أخو ميرنا خالص.. سوري مش فاكراك عن إذنك”
إلتفتت لترحل لكنه أمسك بها ف ابعدت ذراعها عنه بعنف : إنت اتجننت
“انا آسف بس.. أنا استحالة انساكِ”
ثم همس وهو ينظر لعينيها بقوة : استحالة انسى العيون دي
لم تخجل أو تخفض عينيها كما توقع بل بادلته النظر فتابع : لولا إني حافظهم كنت قولت إنك واحدة تانية.. مش البسكوتة اللي شوفتها يومها
ربتت على ذراعه قائلة : عندك حق.. انا واحدة تانية
إستدارت ف وقف أمامها
“طيب إنتِ مسافرة فين.. الطيارة اللي راجعة مصر مش دلوقتي”
زفرت بنفاذ صبر هاتفة : وانت مالك..!!
ما كادت تنهي حديثها حتى صدح النداء الأخير لطائرتها ف سحبت حقيبتها وسارت مبتعدة دون ان تأبه له
بينما ظل هو واقفاً يتابعها تختفي وبداخله شعورين متضادين
إحداهما فرح لرؤيتها مجدداً
وآخر حزين لأنه لمح ببنصرها الأيسر حلقة تنتمي لأخر.
تمت