وصلت 3
الفصل السابع عشر تسمر مكانه فور أن رأها أمامه بهيبتها المتجلية، رافعة أنفها بكل غرور وتبتسم بتهكم، اقترب منها وقال بجمود: -مصر نورت يا فريدة هانم. لم يطل النظر كثيرًا لها والتفت للشابة الواقفة خلفها بعيون لم تتزحزح عن الأرض، رفعت الفتاة رأسها ونظرت له وعيونها مليئة بالدموع، اقتربت منه برجفة وهي تمرر يدها على وجهه وارتمت في أحضان أخيها. شعرت بأمان لم تشعر به حتى في أحضان والدتها، ابتسمت فريدة بسخرية وتمتمت بصوت خافت أن يبدو أن سيرين تريد بدأ مسرحتيها باكرًا نوعًا ما.
حكت فمها ببعض من الازدراء وهي تراقب احتضان سيف لها وهو يكاد يمنع دموعه من الهبوط، كم عامٍ مرّ دون أن يراها؟ لا يريد أن يعد السنوات. شيء من رائحة والده الدافئة يحتضنه، يشعر أن والده يحاوطها بيده ليكون ثالثهما، ربتّ على ظهرها ليعطيها بعض الاطمئنان. نزعتهما فريدة من لقائهما الأول بصوتها اللاذع، فابتعدت سيرين عن أحضان أخيها ووقفت بجواره، أشارت لها والدتها بعينين حادتين أن تأتي وتقف لجوارها. نظرت لأخيها الذي لم يرى أمامه سوى عينين خائفة ويديها التي ترتعش بخوف وتحاول إخفاءها بيدها الأخرى المرتجفة بكل براءة.
وضع يده على كتف سيرين وهو يعيطها بعض الطمأنينة فابتسمت بعض الشيء، نظر لوالدته بجمود وقال وهو يدير ظهرها لها: -أوضتك فوق يا فريدة هانم الدادة هتوريهالك لحد ما حضرتك تشوفي شقتك القديمة وتظبطيها، وفي الوقت دا أتمنى تحاولي تقطعي سبل الكلام مع سيرين بالمرة. رفع سبابته وهو معرض بظهره عنها، وأخفضها لدى أن أنهى كلماته الحادة، ربت على كتف سيرين وصحبها معه للحديقة، لم تختفي ابتسامته طوال حديثه معها. بينما فريدة وقفت بيدين شبه مشلولتين بجوارها وفم مفتوح على آخرها من دهشتها مما حدث أمامها للتو، كيف كانت تتوقع أن يستقبلها يا ترى!
كادت الخادمة أن تحمل حقيبتها لكن فريدة أمسكت بيدها سريعًا وهي تقول بحدة: -سيف عارف إيه بالظبط عن اللي حصل؟! أغمضت الخادمة العجوز عينيها في خوف وقالت بنبرة غير متزنة: -صدقيني يا مدام معرفش حاجه والله. رمقتها الأخرى بنظرات كاد حتى شعرت الخادمة أن سيغشى عليها من الخوف، ربعت فريدة يدها وهي تقول بهدوء عجيب: -اها طيب شوفي شغلك. فرت الخادمة بنفسها وهي تحمد ربها بداخلها، سارت فريدة حتى وصلت لباب المنزل تطلع عليهما وهما يتجاذبان أطراف الحديث.