وصلت 3
وهو رأى هذا الحب منذ قليل على وجهها، ماذا كان يتوقع أن تفعل! تقترب منه وتضمه وتخبره بحب وعتاب “لِم لمْ تخبرني أنك من أكبر رجال الأعمال في البلد يا عزيزي!”. يا لغبائي، ويا لسخرية القدر.
تنهد وهو يضع رأسه بين يديه وكأن هموم الدنيا بأكملها تقع على عاتقيه الآن.
-كدبت.
انتفض من مكانه فور أن سمع صوتها المألوف خلفه، التفت لها ولسانه مربوط لا يعلم ماذا يخبرها! -زهرة.. زهرة أنا آسف. مسحت الدموع من على وجهها الذي ازداد احمرارًا، وتقدمت لتجلس بجواره دون أن تحيد بنظرها عن البحر، إن جاء للحق لم يكن يتوقع ذلك.
لم يكن يتوقع أنه سيراها من الأساس، جلس بهدوء دقيقة.. دقيقتين حتى تحدث: -أنا أسف إني خبيت عليكِ. رفعت يدها بعدم اهتمام وهي تجيب بصوت مختنق: -لا ولا يهمك، مش أول مرة متعودة على المفاجأت اللطفية من زمان. أنهت حديثها بضحكة ساخرة، ونظرت له وهي تقول: -الفرق بس إني بحاول أفهم أنتَ ليه كدبت! أنا كنت صادقة في كل حاجه، برغم إني أول مرة في حياتي أخد خطوة وأحب، يكون مبني على كدب. حاول أن يقاطعها موضحًا لكنها هزّت رأسها قائلة:
-مش هيفيد كلامك في حاجه يا حضرة المدير، أنا كنت متأكدة إنك هنا، فجيت عشان أقدم استقالتي. ضحكت ساخرة مجددًا: -من غير ورق رسمي. وقفت من مكانها فهبَّ واقفًا لا يستطيع الحديث، حتى عندما شاء القدر وأعطاه فرصةً أخرى، جلس كالغبي لا يستطيع أن ينطق بكلمة حتى. سارت قليلًا ثم التفتت إليه وهي تبتسم بعتاب: -بس تعرف؟ دي كانت أول مرة أكون شاكرة لحاجة واحدة بس في حياتي، دي كانت أول مرة أحب حد فعلًا من غير ما أكون خايفة.
ظهرت ابتسامة جانبية على شفيتها، وكأنها تسخر من كلامها، كان يراها تبتعد وتبتعد عنه، حتى مشيتها ليست متزنة، وكأنها تريد أن تطيح بمجمل البشر من أمامها. لكنها أكملت سيرها حتى اختفت عن أنظاره، كانت قوية، قوية حتى في جعله لا يستطيع الحديث في لقائهم هذا. تهاوت دموعه وهو يراها تختفي ولا يستطيع فعل شيء، ركب سيارته وهو صامت، لا يصرخ، لا يبكي، لا يفعل أي شيء. وصل لمنزله بعد وقت طويل كان الليل قد أزف، خرج من سيارته ودخل المنزل فوجد والدته تجلس في انتظاره.
هيأته الغير مهندمة وملامحه جعلت أخته تقترب منه وهي تقول بصوت مضطرب من هيأته:
-سيف أنتَ كويس!
هزّ رأسه بتعب وابتعد عنها، كاد أن يصعد السلم لكنه سمع صوت والدته تقول بهدوء:
-متستاهلش كل دا على فكرة.
نظر لها ووجهه قد ارتسم عليه علامات عدم الفهم فأكملت وهي تقلم أظافرها:
-اسمها زهرة، مش كدا؟
وكانه قفز السلالم بسرعة واقترب منها وهو يواجهها بغضب:
-دا أنتِ بتراقبيني بقى يا فريدة هانم.
وقفت بهدوء وهي تقترب منه وهي تحرك يدها على شعره وتقول بثقة:
-أومال مش لازم أعرف ابني بيروح فين، بيقابل مين!