وصلت 3
لم يكن يسمع منها شيئًا سوى صوت تنفسها، فأكمل: -لازم تيجي بكرا عشان نعمل الأشعة. وضعت الهاتف أمامها بلا اكتراث على مكبر الصوت وعاودت وضع رأسها بين ساقيها مجددًا تحدق بالشرفة والسماء التي على وشك أن ترعد. أكمل الرجل بصوت ملهوف: -بتول كفاية إهمال لحد كدا، الموضوع هيخرج من بين إيدك و.. قاطعته بصوت متحشرج: -لسه قد إيه؟ حمم بضيق وقال بعد ثوانٍ: -مع العلاج ممكن سنة، من غيره يبقى تلت شهور أو أقل..
صمتت مجددًا فقال بصوت ليّن لأجلها: -قولتِ لأهلك؟ أدمعت عيناها وأكملت جلسة صمتها المقدس، فختم المكالمة قائلًا بهدوء: -مش محتاج أقولك إن الأعراض اللي غالبًا هتكون بدأت عندك، أنتِ في مرحلة متأخرة من الورم فأرجوكِ ابدأي العلاج، حتى لو مش هو الحل هيديكِ وقت أطول.. أغلقت المكالمة، لم تتحدث وظلّت تراقب قطرات المطر التي تترقرق على زجاج النافذة، ظلّت تراقب بصمتٍ، وتبكي.. ****
الفصل الرابع عشر أغمضت عينيها وهي تضم ابنتها وولدها لصدرها بخوف، عادت برأسها للخلف وهي تتلو بسرها بضع آيات لعلها تنجيها.
كانت تصم أذني الطفلين -كلما سمعت صوت انكسار أو دقات على الباب أو ارتطام شيء آخر بالخارج- وهي تطمئنهم، نظرت إليها ابنتها الصغيرة وهي ترتعد من الخوف:
-ماما هو بابا بيعمل كل يوم كدا ليه؟
نظرت لعيني الصغيرة وهي تجهل بماذا تجيبها، فقالت كاذبة:
-بابا عنده شوية مشاكل في الشغل يا فرح، وعشان كدا هو عصبي النهاردة شوية.
اتهمتها نظرات ابنها الأكبر الذي لم يتم الثالثة عشر من عمره بعد، يعلم أنها تكذب ولكنه في كل مرة يمنحها على الأقا نظرة مطمئنة، يريد أن يطمئنها بأي شكل من الأشكال.
لكن الأضطراب والخوف سكنا قلبها منذ تزوجت هذا الرجل، الشاب عبد القادر المبجل في القرية بأكملها، الرجل الذي يحبه الجميع، وفور أن يغلق عليها باب معه تراه على حقيقته.
باللّٰه كيف تسميه رجلًا وأثار ضربه لا تزال معالمها على جسدها، متى ستبتعد؟ متى سينتهي كل هذا؟
أول مرة رأته فيها كان في منزلها عندما كانت فتاة في الثانوية، عبر طموحها سنها لكن فور أن رأته، الثلاثيني الجذاب الذي يأسر الفتيات بنظرة منه، تنازلت عن كل ذلك. نظراتهما لبعضهما كانت واضحة وضوح الشمس، ودخل طارقًا باب البيت فرحّب والدها تحت بند أنه تاجر معه يعرفه حق المعرفة، وأنها صفقة جيدة في آن واحد.